30 مارس 2015

باكستان الشرقية في فلسطين


سلمان مصالحة ||


باكستان الشرقية في فلسطين



بعد جلاء الانتداب البريطاني عن شبه القارة الهندية في سنة 1947 انقسمت شبه القارة إلى كيانين سياسيين، واحد بغالبية هندية وآخر ذي غالبية مسلمة وهو الكيان الذي أطلق عليه اسم باكستان. لقد كان الكيان الباكستاني مؤلفًا من إقليمين، باكستان الغربية والشرقيه يفصل بينهما أكثر من ألف كيلومتر. لقد استمر هذا الوضع حتّى بداية السبعينيّات من القرن المنصرم، حيث ثار الإقليم الشرقي البنغالي وأدّى الأمر في نهاية المطاف إلى انفصال تام عن الدولة الباكستانية وقيام دولة بنغلادش.

وها هو التاريخ المشابه يعيد نفسه هنا في فلسطين. فعندما خطّط رئيس الحكومة الإسرائيلية شارون الانسحاب من قطاع غزّة وتفكيك المستوطنات هناك، كان يضع نصب عينيه شيئًا شبيهًا لما جرى في باكستان الشرقية. لم يكن الأمر صدفة أنّ شارون لم يرتّب خطّة الانسحاب من غزّة مع السلطة الفلسطينية التي كانت تشكّل الإطار السياسي الجامع للإقليمين الفلسطينيين، في الضفة والقطاع. لقد كان شارون يخطّط لإفساح المجال لحركة حماس بالاستيلاء على قطاع غزّة بغية إصابة عصفورين بانسحاب واحد. أوّلاً، سيشكّل ذلك إضعافًا للسلطة الفلسطينية المتحدّثة باسم فلسطين والفلسطينيين. وثانيًا، من شأن هذا الانسحاب أن يقسم الأرض الفلسطينية الموعودة للدولة الفلسطينية إلى إقليمين لا يربط بينهما رابط سياسي أو جغرافي. إنّ تعميق هذا الشرخ الفلسطيني سيفسح المجال أمام إسرائيل لمواصلة التركيز على تعميق الاستيطان وابتلاع القدس وأجزاء واسعة من الضفّة الغربية.

وهذا ما حدث فعلاً على أرض الواقع. من الجدير بالتذكير أنّ الحملات العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزّة، لم تهدف في أيّ منها إلى الإطاحة بحكومة حماس التي تسيطر على القطاع بأيّ حال من الأحوال. أصوات من هذا النوع تُسمع فقط من قبل بعض الأحزاب اليمينة الصغيرة، لكنّ الأحزاب الكبرى التي ترأست الحكومات، بدءًا من أولمرت وانتهاءًا بنتنياهو ، بالإضافة إلى المؤسسة العسكرية قد صرّحت غير مرّة أنّها لا تهدف إلى إسقاط حكومة حماس.

وهكذا يتكرّس هذا الانقسام الفلسطيني على غرار ما جرى في باكستان. إنّ إمارة غزّة هي أكثر شبهًا بباكستان الشرقية التي انفصلت فأضحت دولة بنغلاديش. بينما الضفّة الغربية لا زالت تعاني من الاحتلال والتوسّع الاستيطاني الإسرائيلي.

إنّ هذا الانقسام الفلسطيني هو أكبر عون للسياسات التوسعية الإسرائيلية، إذ منذ استيلاء حماس على القطاع وتأبيد هذا الشرخ الفلسطيني، لم يعد هناك من يتحدّث باسم فلسطين. فحكومة حماس تتحدّث باسم غزّة، حيث تسيطر، وحكومة رام الله تتحدّث باسم الضفّة، حيث لا سلطة لها على غزّة. وبين هذه وتلك تسرح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة وتمرح. ما من شكّ في أنّ استمرار هذا الانقسام هو أكبر هدية تقدّمها القيادات الفلسطينية المتّسمة بقصر النظر، وعلى طبق من فضّة، لحكومات الرفض الإسرائيلية.

وعلى مرّ السنين، طالما تغنّى العرب والفلسطينيون بخاصة، ورفعوا شعارات رنّانة مثل أنّ فلسطين هي قضية العرب الأولى. لقد صدّقت الزعامات الفلسطينية، السياسية والثقافية والاجتماعية، كلّ تلك الشعارات وأشاعتها على الملأ الفلسطيني وكأنّ عجلات قطار العالم تتوقّف عند هذه القضيّة فحسب. لقد ركن الجميع إلى السكينة وكأنّ العالم الواسع، أو كأنّ العالم العربي لا يشغله شاغل سوى الشأن الفلسطيني.

لقد نسيت الزعامات الفلسطينية أو تناست أنّ العالم العربي بزعاماته وشعوبه مشغول في الواقع بقضايا ملحّة أخرى، كما إنّ العالم والقوى العظمى مشغولون بقضايا عالمية لا تقلّ إلحاحًا عن قضيّة فلسطين، بل قد ينشغل العالم بقضايا هي أكثر أهمية من وجهة نظره من القضية الفلسطينية والنزاع الإسرائيلي الفلسطيني. إنّ ما جرى في العالم العربي في السنوات الأخيرة هو أكبر شاهد على ذلك.

لقد شهد هذا العالم العربي نكبات هي أكبر بكثير من النكبة الفلسطينية، ويكفي النظر إلى النكبة السورية المتواصلة لفهم ما هو حاصل في هذه المنطقة. من هنا، فيمكننا القول إنّ هذه المنطقة ستنشغل بقضاياها الداخلية المزمنة. ففي المستقبل المنظور ولعقود طويلة، لن تقوم لدولة مثل سورية قائمة، وكذا هي الحال مع العراق وسائر أقاليم سايكس بيكو.

بالتأكيد ستستغرق عملية إعمار هذه البلدان عقودًا طويلة من الزمان. إنّ الإعمار سيطال بين ما سيطاله أيضًا الإعمار المجتمعي الذي سيكون أكثر عواصة من إعمار المدن والحواضر المتهدّمة. غير أنّ ما نخشاه هو استحالة اتمام التئام هذه المجتمعات من جديد في الكيانات السياسية التي عهدناها. بعد كلّ هذه الشروخ المجتمعية، الطائفية، الدينية والإثنية، والتي اصطبغت بالدم، ليس من السهل بناء الدول مجدّدًا في الحدود المرسومة سابقًا. فهل ستضحي إمارة غزّة على غرار بنغلاديش؟ وهل سترتسم أمان أعيننا حدود جديدة، وتنشأ كيانات جديدة في هذه البقعة من الأرض؟

إنّه سؤال مفتوح على كافّة الإمكانات. وكما قالت العرب منذ القدم: الدّهر ذو دول.

*

نشر: ”الحياة“، 30 مارس 2015

27 مارس 2015

حلم عربي

سلمان مصالحة || حلم عربي

حَفِظْتُ الدَّرْسَ عَنْ نَسَبِي
وَأَوْدَعْتُ الحِجَى كُتُبِي.

بِهَا يُذْكَى إِذَا قُرِئَتْ
لِسَانُ العَاقِلِ النَّجِبِ.

16 مارس 2015

حول التدخل العربي في الانتخابات الإسرائيلية

سلمان مصالحة || 
حول التدخل العربي في الانتخابات الإسرائيلية

لو كان الأمر مضحكًا لضحكنا. فجأة وفي ضوء الانتخابات الإسرائيلية المزمع إجراؤها اليوم، بدأت منذ مدّة تُنشر تصريحات من هذا المسؤول أو من ذاك الزّعيم العربي موجّهة الكلام إلى المواطنين العرب في إسرائيل، حيث تحضّهم على المشاركة الكثيفة في الانتخابات. ليس هذا فحسب، بل تُسمّي لهم القائمة التي يجدر بهم التصويت لها.

13 مارس 2015

ماهية الأحزاب المنتخبة في كنيست إسرائيل


سلمان مصالحة ||  
ماهية الأحزاب المنتخبة في كنيست إسرائيل

الكنيست - البرلمان الإسرائيلي

بمناسبة الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي ستجري في الأسبوع القادم، يجدر بنا وضع هذه الحقائق أمام الذين يختارون دسّ الرؤوس في الرمال، وأمام بعض الذين أدمنوا تعاطي المزايدات وإطلاق الشعارات القومجية، أكانوا أفرادًا من مراهقي العروبة السياسية أو من بعض التيارات والأحزاب التي تعمل لاهثة وبكدّ متواصل لدخول البرلمان الإسرائيلي - الكنيست.

12 مارس 2015

من باميان إلى النمرود - همجية بلا حدود

سلمان مصالحة || 
من باميان إلى النمرود - همجية بلا حدود


بوذا باميان




لقد بدأ هذا المسلسل قبل عقد ونصف من الزمان. كان الوقت آنئذ ربيعًا أيضًا. حريّ بنا أن نتذكّر تلك الواقعة في الوقت الذي نشاهد ارتداداتها في هذه المنطقة العربية. لم تكن الضحيّة في ذلك الوقت من لحم ودم ولم تكن من البشر، بل كانت منحوتة في الحجر، أو معمولة من ذات الطين الذي عُجن منه الإنسان كما ورد في أسطورة الخلق.

6 مارس 2015

"البيت العربي"

مقالة مترجمة بتصرف

سلمان مصالحة || "البيت العربي"

يعيش اليهود والعرب في هذه الدولة في عالمين متوازيين من دون أن يكون بينهما تقريباً أي نقاط تماس. فهناك بلدات عربية وهناك بلدات يهودية. وحتى في تلك البلدات التي يطلق عليها "بلدات مختلطة"، هناك أحياء عربية وأحياء يهودية. باختصار، فإن الأبارتهايد الاجتماعي قائم وموجود.

1 مارس 2015

ربيع الممالك العربية


سلمان مصالحة || 

ربيع الممالك العربية




ها نحن نقترب من نهاية العام الرابع على الانتفاضات التي ضربت أكثر من قطر في أنحاء العالم العربي مشرقه بمغربه. أقول انتفاضات ولا أقول ثورات عن سابق قصد، إذ إنّ ما جرى في الأعوام الأخيرة في كلّ تلك الأقطار لا يمكن بأيّ حال أن يُسمّى ثورة بما تعنيه هذه الكلمة في العلوم السياسية.

قضايا عربية

  • تفكيك العنصرية

    فإذا كانت هذه هي حال القومجيّين تجاه أبناء جلدتهم، فما بالكم حينما يكون الأمر متعلّقًا بموقفهم تجاه أقوام أخرى لا تنتمي للعرب ولا للعروبة، كالأكراد على سبيل المثال...

    تتمة الكلام

    اللغة تكشف مآسينا

    إنّ الحديث عن سريان مفعول المصطلح «شعب» على أحوال الكيانات السياسية العربية هو حديث لا يستند إلى أيّ أساس متين...

    تتمة الكلام


  • البحث عن قبيلة جديدة

    كلّ هذه الانتفاضات والثورات العربية التي شهدها العالم معنا في الأعوام الأخيرة لم تفلح في إنجاب قيادات بمستوى ”الحلم العربي الكبير“، حلم الحرية والكرامة البشرية، الذي نشبت على خلفيّته..

    تتمة الكلام

    دول ومجتمعات بلا حدود

    إنّ من يرفض القبول بهذه المبادئ الأساس للحكم لا يمكن الثقة بنواياه، ومعنى ذلك أنّ الاحتراب الطائفي والقبلي في هذه المجتمعات لن يتغيّر وسيظلّ عاملاً مركزيًّا في تشتّت هذه المجتمعات وشرذمتها...

    تتمة الكلام

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

ترجمات

  • سفر الجامعة

    (1) هُوَ ذَا كَلِمُ الوَاعِظِ بْنِ دَاوُدَ، مَلِكٌ فِي أُورُشَلِيمَ. (2) باطِلُ البَوَاطِلِ قَالَ الوَاعِظُ، بَاطِلُ البَوَاطِلِ الكُلُّ بَاطِلٌ...

    تتمة الكلام

  • الحلم

    حلمتُ:
    أنّي في سجن جدران بيضاء
    حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
    تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
    جمجمتي اللّاهثة.
    ...

    تتمة الكلام

  • الإنسان هو الله

    مَنْ يُحِبُّ الزُّهُورَ لَهُ قَلْبٌ حَسّاسٌ،
    مَنْ لا يَسْتَطِيعُ اقْتِطاعَ نَوارِها
    لَهُ قلبٌ نَبيلٌ.

    تتمة القصيدة



انقر الصورة للاتصال

موسيقى كلاسية

***
موسيقى جاز




أرشيف الجهة

مواضيع مختارة

 

نصوص

  • رحلة البحث عن البعبع

    عندما كنّا أطفالاً صغارًا، كانت الأمّهات يجنحن إلى إخافتنا لثنينا عن عمل أو سلوك ما، بمقولات مثل: ”بيجيلك البعبع“، أو ”بيوكلك البعبع“، وما إلى ذلك من كلام. لم نكن نفهم ما يُقال سوى أنّ هنالك شيئًا ما اسمه ”بعبع“ وهو ربّما كان حيوانًا مخيفًا أو شيطانًا مرعبًا وما إلى ذلك ....

    تتمة الكلام

  • طريق الغور

    السّتارة الّتي أُسدلت على النّافذة الواسعة لم تقم بما أُنيط بها من مهمّات. كانت اليد الّتي سحبتها ببطء ليلة أمس قد وضعت على عاتقها مسؤوليّات غير عاديّة.

    تتمة القصّة

  • another title

    المتابع من أبناء جلدتنا لما يجري في هذا العالم الواسع يجد نفسه أمام ظاهرة فريدة. فلو نظرنا إلى ما يحصل من أحداث نرى أنّ القاسم المشترك بينها هو أنّ غالبيّتها هو مواقع وقوعها الجغرافية. إذ نرى أنّها تحدث في الأصقاع التي توصف بانتمائها إلى العالمين العربي والإسلامي.

أبحاث

  • "بلد من كلام"

    هل الكلام عن الوطن، مديحًا كانَ أو هجاءً، هو "مهنة مثل باقي المهن"، كما صرّح محمود درويش في "حالة حصار"؟ وماذا يعني مصطلح الوطن هذا الّذي تكثر الإشارة إليه في الكتابات الفلسطينيّة؟

    تتمة الكلام
  • الرسول والعبرية

    اللّغة العبريّة كانت تحيط ببدايات نشوء الإسلام في جزيرة العرب. والسؤال الّذي يعلو هو، هل تعلّم الرّسول اللّغة العبريّة في هذه البيئة المحيطة به، أو هل كان هنالك من علّمه لغة التوراة؟

    تتمة الكلام

  • «يهوه» التوراتي في الإسلام

    قبل الدخول في صلب هذه المسألة، نجد لزامًا علينا أن ننظر قبلُ في المصطلح "يهوه" كما يظهر في التّوراة في أصلها العبري، ثمّ ننتقل بعد ذلك إلى ظهور هذا المصطلح في ترجمات عربيّة غير دقيقة للتّوراة العبريّة.

    تتمة الكلام