عن هبّة تونس وأشياء أخرى

كم كنت أودّ أن يؤمن حقًّا غالبيّة مردّدي كلام الشّابي بالجوهر الكامن الوارد في البيت، لكنّي أعرف في قرارة ذاتي إنّ غالبيّة المردّدين ليسوا كذلك، وهذه هي المشكلة.
______
سـلمان مصـالحة

عن هبّة تونس وأشياء أخرى

لقد كتب الأستاذ نادر قريط هنا في الأوان تهويمات نثريّة عاطفيّة عن الهبّة الشعبيّة التونسيّة التي أدّت في نهاية المطاف إلى رحيل الرئيس التونسي زين العابدين بن علي، وما من شكّ في أنّ الأسارير تنفرج والقلوب تنشرح حينما نرى النّاس يهبّون ضدّ المظالم التي يواجهونها. والهبّات تكشف، بين سائر ما تكشفه، أنّ هذه المظالم قد طال أمدها وقد تراكمت تبعاتها على صدور العباد حتّى أضحت جمرًا مستعرًا مختبئًا تحت رماد من صنوف الكبت. يُضحي الوضع في انتظار هبوب نسمة خفيفة تذرو هذا الرّماد فيستعر الجمر ويعلو اللّهب.

وهكذا، فقد تعالى من جديد على ألسنة العرب بيت شعر لأبي القاسم الشابي، وردّده الجميع في مشارق العرب ومغاربهم. غير أنّ الكثيرين الكثيرين من كلّ هؤلاء المردّدين لـ"إذا الشّعب يومًا… فلا بُدّ أن…"، إنّما هم يردّدون كلامًا لا يؤمنون به في قرارة نفوسهم. إنّهم يردّدون بيت الشّعر بوصفه شعارًا شعبويًّا ليس إلاّ. وذلك، لأنّ جوهر هذا البيت هو نقيض واضح وبيّن لما هو قائم في الإيمان الإسلامي بالقضاء والقدر. وبكلمات أخرى، فإنّ الإرادة الفرديّة، ثمّ الجمعيّة من بعدها، هي الأصل وأمّا القدر بكلّ ما يحمل من معانٍ فلا عمل له في المصير بأيّ حال. القدر فقط يقوم بدور الاستجابة للإرادة، أفرديّة كانت هذه الإرادة أم شعبيّة. لقد نوّة الأستاذ نادر قريط عَرَضًا إلى هذه النقطة في مقالته قائلاً: "في معادلتك الشعرية الفذّة يا أبا القاسم، وضعت الشعبً والقدر وجها لوجه، فكسبت الرهان…".

كم كنت أودّ أن يؤمن حقًّا غالبيّة مردّدي كلام الشّابي بالجوهر الكامن الوارد في البيت، لكنّي أعرف في قرارة ذاتي إنّ غالبيّة المردّدين ليسوا كذلك، وهذه هي المشكلة.

غير أنّ المفارقة الكبرى في كلام الأستاذ قريط تكمن في هذه الفقرة من مقالتة الشعريّة: "تونس "شعب" تجمعه الأرض والتاريخ، ويوحده حلم العيش الكريم ومدوّنة الأحوال الشخصية والمدنية، التي جعلت المرأة صنوا للرجل، فانتصبت محمولة على أعناق الرجال، ورجمت مليشيات الطاغية، وضمّدت الجرحى". يجب ألاّ ينسى الأستاذ قريط، وكثيرون غيره، ممّن يدبّجون الكلام الشّعري الآن على خلفيّة الهبّة التونسيّة، أنّ ما يمتدحونه في تونس بكلام مثل: "مدوّنة الأحوال الشخصية والمدنية، التي جعلت المرأة صنوا للرجل، فانتصبت محمولة على أعناق الرجال…"، فهو في نهاية المطاف من مُنجزات هذا النّظام التونسي بالذّات، بخلاف سائر الأنظمة العربيّة. أيّ أنّ كلام قريط هذا قد جاء ذامًّا فانتهى مادحًا بكلام هو ممّا يُحسب لصالح النّظام بالذّات.

ثمّ يستمرّ الأستاذ قريط في البوح والتحسُّر على المشرق: "أما في مشرقنا فواحسرتاه! لقد كنّا شعبا في يوم ما، أما اليوم فنحلم على أريكة الديوان الشرقي، لقد أصبحنا بعون الله والبترودولار والطغاة، قبائل وشيعا ومللا ومذاهب وحثالات، وفقهاء نبحث عن العصر الباليوليتي وعصماء بنت مروان لنهرب من واقعنا، فما أوسخنا…".

لقد وردت في المأثور العربي مقولة "يحقّ للشاعر ما لا يحقّ لغيره". وهي مقولة فيها نوع من التّساهُل والتّسامُح مع نزق الشّعراء في الخروج على النّحو والقواعد والمألوف في اللّغة. ولمّا كان الأستاذ قريط قد كتب مقالة شعريّة، فإنّي سأنظر إليها بنوع من التّساهُل أيضًا قائلاً بيني وبين نفسي: يحقّ له في هذا الانجراف الشّعري ما لا يحقّ لغيره.

ولكن، ومن جهة أخرى، فهل ما ورد في كلامه الشّعري هذا يستند إلى أسس متينة؟ إنّه يقول: "لقد كنّا شعبًا في يوم ما". فهل هذه المقولة صحيحة؟ ومتى كنّا شعبًا في يوم ما؟ هل بوسع الأستاذ قريط أن يذكر لنا ذلك اليوم بالتحديد؟ ثمّ يستمرّ الأستاذ قريط في البوح: "لقد أصبحنا بعون الله والبترودولار والطغاة، قبائل وشيعا ومللا ومذاهب وحثالات…". مرّة أخرى، لا أدري علام يستند هذا الكلام.

في رأيي، لقد تحوّل الحديث عن "البترودولار" في السّنوات الأخيرة نوعًا من الشّعارات الشّعبويّة التي تُطرح لتُدغدغ عواطف "مُراهقي العروبة" في المشرق والمغرب دون أن تكون هذه الشعارات مدعومة بأيّ حقائق. فهل حقًّا كلّ مآسي العرب مردّها إلى "البترودولار"؟ وهل القبائل والشيع والملل والمذاهب كلّها مردّها إلى "البترودولار"؟ ولو كانت هذه حقيقة، فماذا كان العرب قبل البترودولار؟

إنّ ما أخشاه في هذا النوع من الكلام هو أن يتحوّل إلى جوهر الخطاب العربي. إنّ هذا الكلام لا يختلف كثيرًا عن أنواع الكلام المندرج في خطاب "نظريّات المؤامرة" الشائعة الفضاء العربي. إنّ هذا النوع من الكلام، رغم كلّ النوايا الطيّبة التي قد تكون تلفّه، إنّما يشقّ في نهاية المطاف طريقًا أخرى من الطّرق التي يسلكها كلّ الهاربين من مواجهة الحقائق العربيّة. إنّها حقائق عربيّة متعدّدة المناحي، من الاجتماعيّة والدينية والثقافية والسياسية إلى آخره.

إنّ ما جرى في تونس كان ممكن الحدوث لعدّة أسباب:

أوّلاً، لأنّ الشّعب التونسي يتّسم بالتّجانس، إذ أنّ 99 بالمائة منه عرب يدينون بذات المذهب، وكلّ ما يجري لا يمكن أن يتحوّل إلى صراعات مذهبيّة.

ثانيًا، لأن ما جرى من تحديث في البلد بخصوص الأحوال التعليمية والأحوال الشخصيّة ومساواة المرأة وحضورها المدني من جهة، وتقييد الإسلامويين وما يمثلونه من جهة أخرى، هي بالذّات من منجزات النظام التونسي التي تُحسب له، لا عليه. وهي في نهاية المطاف ما تدفع إلى حدوث هبّات من هذا النوع المدني.

إنّه لمن المفرح أن يهبّ التونسيّون ليطيحوا بطاغية النّظام، غير أنّ الحذر يجب أن يكون نصب أعين المنتفضين في تونس. يجب التشبُّث بالمنجزات المدنيّة والّتي على رأسها مساواة المرأة والرّجل في كلّ مناحي الحياة. إنّ هذا المنجز هو ما يجب البناء عليه للمستقبل. ويجب في الوقت ذاته الحذر من الإسلامويين المتربّصين الذين ينتظرون فرصة للانقضاض على هذا المنجز التونسي وسائر المنجزات الأخرى، بغية جرّ تونس إلى الوراء. يجب أن يتذكّر التونسيّون، كما سائر العرب، أنّه فيما يتعلّق بالمجتمعات العربيّة فإنّ المرأة هي الحلّ، وليس الإسلام بأيّ حال.

هل ما حدث في تونس قد يحدث في بلاد عربيّة أخرى، مثلاً في سورية؟
أشكّ في ذلك جدًّا. وشكوكي نابعة من رؤيتي للحقيقة السورية المختلفة جذريًّا عن تونس. ففي سورية، مثلما هي الحال في العراق وأماكن أخرى، لا يمكن الحديث عن شعب متجانس، فمصطلح "الشّعب السّوري" هو مصطلح فضفاض، إذ أنّ المواطنين الذين ينضوون تحت مسمّى الدولة السوريّة هم تشكيلة متنوّعة من النّاس والأقوام والمذاهب والطوائف، من عرب وأكراد ومسلمين ومسيحيّين وسنّة وشيعة ودروز إلى آخره. هذه الحقيقة تختلف جذريًّا عن الوضع التونسي. كما إنّ النّظام السّوري، وإن كان يرفع شعارات قومويّة، إلاّ أنّه في حقيقة الأمر نظام قبليّ بامتياز يستند إلى سلسلة من قوّات عسكريّة خاصّة ومخابرات مرؤوسة كلّها طائفيًّا وغايتها حماية رأس النّظام القبلي. لهذا السّبب، فإنّ طبيعة هذا النّظام هي طبيعة اضطهاديّة في جوهرها، ولذلك فإنّ أيّ تحرّك شعبي ضدّ النّظام ورأسه يُفهَم من قبل أركان النّظام على أنّه خطر على القبيلة، أو الطائفة، بأسرها، ولذا فإنّ سحق أيّ تحرّك شعبي من هذا النّوع هو من أولويّات نظام تأسّس على هذه الأصول. وما جرى في حماة هو مثال صارخ لهذه الدمويّة.

من هنا، فلا يمكن بأيّ حال مقارنة ما جرى في تونس ومع ما يجري في سائر البلاد العربيّة، وخاصّة تلك البلدان التي تتشكّل من أطياف بشريّة متنوعة دينيا وإثنيا. وخلاصة القول، ولقد ذكرت ذلك أكثر من مرّة في الماضي، إنّ العرب على العموم هم أكثر الأمم احتياجًا إلى ثورة حقيقة تفصل الدين عن الدولة بكلّ ما يعني ذلك. وبكلمات أخرى، هم أكثر الأمم احتياجًا إلى أتاتورك عربيّ في هذا الأوان. إذ، بغير ذلك، فسيواصلون التّخبُّط والتفتُّت إلى أن يندثروا من التاريخ البشري.
*
نشرت في: الأوان - منبر رابطة العقلانيين العرب، 22 يناير 2011

***
On the same topic:
Hebrew, press here
English, press here
Italian, press here
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان!

هكذا، بشعار: "بالرّوح بالدّم، نفديك يا فُلان" يتمّ اختزال الوجود العربي، البشريّ والحضاريّ، في هذا الـ "فلان" كائنًا من كان...
----

سـلمان مصـالحة

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان!

هكذا وعلى مرّ التّاريخ العربي المعاصر تتعالى الأصوات من لَهَوات الحُلُوق والحناجر. فمرّة تعلو هذه في مسيرات مُسَيّرة، لا مُخَيَّرة، في الشّوارع، ومرّة تعلو هذه الأصوات من مؤتمرات ما يُسمّى زورًا وبهتانًا نقابات صحفيّين أو مُحامين في بلاد لا صحافة فيها ولا محاماة.

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلان: "فلان وفلانة: كناية عن أسماء الآدميين. والفلان والفلانة: كناية عن غير الآدميين. تقول العرب: ركبتُ الفُلان، وحلبتُ الفُلانة... وعن ابن السّكّيت: إذا كنيت عن الآدميين قُلتَه بغير ألف ولام، وإذا كنيت به عن البهائم قُلتَه بالألف واللاّم.... وقال ابن بُزُرْج: يقولُ بعضُ بني أسد: يا فُلُ أقْبِلْ، ويا فُلُ أقْبِلا، ويا فُلُ أقْبِلُوا... وقال ابنُ بَرِّي: فلانٌ لا يُثنّى ولا يُجمَع. وقوله عزّ وجلّ: "يا ويلتا ليتني لم اتّخذ فُلانًا خليلا"، قال الزّجّاج: لم اتّخذ فُلانًا الشّيطان خليلاً". وهنالك أيضًا من يفرد ويثنّي ويجمع: فل وفلان وفلون (عن لسان العرب، مادّة: فلن)
***
هكذا، بشعار: "بالرّوح بالدّم، نفديك يا فُلان" يتمّ اختزال الوجود العربي، البشريّ والحضاريّ، في هذا الـ "فلان" كائنًا من كان، ويتمّ على هذا الأساس نفيُ الإنسان وعَزْلُ الأوطان. ولمّا كان هذا الـ "فُلان"، أكان من بني البشر أو من ذوي الوبر، آيلاً للزّوال، فما على العربان إلاّ استنساخ فلان بفلان في سمفونيّة التّهليل لكلّ حاكم ضِلّيل. وعندما يرتفع هذا التّهليل على خلفيّة مبنيّة على أسس التّهويل فما من سبيل إلى سواء السّبيل.

بالرّوح، بالدّم، نفديك يا فُلُ، ويا فُلان، ويا فلون. هكذا بشعار واحد يغيب البشر، طوعًا وكراهية، عن الوجود. وعندما ينفي الإنسيُّ وجوده كمخلوق عاقل فاعل في هذه الطّبيعة تُضحي صورةُ الشّعب صورةً طبق الأصل لهذا الفلان الّذي يتمّ افتداؤه بالرّوح وبالدّم. وإذا كان الفُلانُ نَزِقًا مُتهوّرًا يتطبّع الشّعبُ بهذه النّعوت. وإذا كان جاهلاً فهو يغدو كارهًا للعلم وللعلماء ويطبع النّاس بطبعه. وإن كان فاسدًا فسد النّاس معه، لأنّ النّاس تنازلت، تَمَثُّلاً به طبعًا، عن ملكة العقل تَزَلُّفًا. فالفُلانُ الرّابخ على سدّة الحكم، يُفكّر باسم الجميع، ويتكلّم باسم الجميع. وإن شاء أيضًا فهو المُخوَّلُ أيضًا بأن يُغيّر رأيه باسم الجميع. وما على الشّعب سوى أن يُوقّع على صكوك الولاء الأبدي السّرمدي لفُلان الفُلانيّ.

ولمّا كان الفُلانُ، كسائر الحيوان، مصيرُه الزّوالُ يقينًا، فلا خشية أن تتبدّل هذه الذّهنيّة لدى بني يَعرُب. فـ"فلان" هذا، كسائر مخلوقات الطّبيعة، يُعقِبُ نسلاً على شاكلته، مثلما أنّ الشّعوبُ هذه المتطبّعة بذهنيّة "فلان" تُعقبُ هي الأخرى نسلاً على شاكلتها. وما أن يأتي فُلانٌ جديد حتّى تأتي فُلُونٌ أخرى تهتفُ من قعر رؤوسها، المُفرّغَة طوعًا وكراهية، بافتداء "الفُلان الجديد" بالأرواح والدّماء الرّخيصة.
***
ولمّا كانت الأجيال العربيّة النّاشئة تعيش في حالٍ من الأوهام. ولمّا كانت هذه الأجيال لا تقرأ شيئًا من تراثها، وإن قرأت لا تفهم، وإن لم تفهم فهي لا تتجرّأ على الاستفهام، فها نحنُ نذكّرهم ببعض ما رُوي من أقوال عن السّلف، لعلّ في ذلك ما يدفعهم إلى مساءلة هؤلاء الحُكّام، وإلى قول كلمة الحقّ علانيةً، لا يخشون في ذلك لومة من أحد اللّوّام. فقد ورد في حديث عليّ الإمام (عليه السّلام): "عن أبي جعفر قال: خطب أمير المؤمنين الناس بصفين، فكان مما قاله: فلا تُكلّموني بما تُكَلَّمُ به الجبابرة، ولا تتحفّظوا منّي بما يُتَحفّظ به عند أهل البادرة، ولا تخالطوني بالمُصانعة، ولا تظنّوا بي استثقالاً في حَقٍّ قيل لي، ولا التماسَ إعظامٍ لنفسي لما لا يصلح لي. فإنّه من استثقلَ الحَقَّ أن يُقالَ له، أو العدلَ أن يُعرضَ عليه، كان العملُ بهما أثقلَ عليه. فلا تكفّوا عني مقالةً بحقٍّ، أو مشورةً بعدلٍ، فإنّي لستُ بفوق أن أُخطئ، ولا آمَنُ ذلك من فِعْلي، إلاّ أن يكفي الله مِنْ نفسي ما هو أمْلَكُ به منّي؛ فإنّما أنا وأنتم عبيد مملوكون"، (عن: بحار الأنوار للمجلسي، ج 27، ص 253)
***
ولمّا كانت السّياسة ليست دينًا، كما أنّها ليست توحيدًا إلهيًّا، وليست أيّ شيء من هذا القبيل، فحريّ بنا أن نفكّر في سبيل آخر للخروج من هذا المأزق. بكلمات أخرى، بوسعنا أن نقول، إنّه فيما يخصّ السّياسة والنّظم الّتي تسيّر أمور النّاس فإنّنا، نحن العربان، بحاجة إلى مبدأ الـ"شِرْكٍ" في هذه السّياسة. أي قد آن الأوان إلى الخروج من شراك هذا الشّعار "التّوحيدي" الّذي يعني، في أعرافنا المتوارثة كابرًا عن كابرٍ، الحاكم القائد الرّمز الفرد الواحد الأحد، الّذي تسلّط على ذهنيّة العربان السّياسيّة.

وهذا الـ"شِرْكُ" الّذي نعنيه في السّياسة هو بمعنى الـ"مشاركة" في تسيير أمور البشر، كمجتمع عصري متكامل متكافل. والمشاركة تعني أيضًا عدم الاقتصار على فُلان الفُلاني، أكان هذا الـ"فلان" من بني تميم أو بني قيس أو بني أسد، في السّيطرة على مصائر هؤلاء البشر وتصريف أمور المجتمع والدّولة. بل يجب أن ينضاف إليه "عَلاّن" آخر أو أكثر من علاّن واحد. بل نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول، إنّه يجب أن يتمّ استبدال فلان بـ "علاّن" في دورات انتخابيّة محدودة الزّمن من بين صفوف النّاس في الوطن. ألم نقرأ في المأثور: "لا يُغيّر الله ما بقوم حتّى يُغيّروا ما بأنفسهم". أو لنقل، حتّى يُغيّروا المفاهيم الّتي يترعرعون عليها في بيوتهم وفي كتاتيبهم الّتي شاعت باستخدام مصطلح مدارسهم.

وما لم يسر العربُ في هذه الطّريق، فلن يتمّ إسكات هذا الوسواس الخنّاس.

أليس كذلك؟
*
نشرت في "إيلاف"، 24 أغسطس 2006
__________________

المؤمنون هم أعدى أعداء الله

سـلمان مصـالحة

المؤمنون هم أعدى أعداء الله

رغم ما قد يتبادر إلى ذهن البعض من المفارقة الواضحة في هذا العنوان غير أنّ ما نشهده على طول وعرض الساحة العربيّة وغيرها يكشف هذه الحقيقة المرّة على الملأ.

فمن وجهة نظر المؤمنين فإنّ اللّه، أي هذا الكيان الّذي يؤمنون به، وكما ينعكس في النّصوص المقدّسة هو خالق السّموات والأرض وما عليهما من بشر ووبر وشجر وحجر ومطر والشمس والقمر والأفلاك. ليس هذا فحسب، بل إنّه، وكما تشي أسماؤه الحسنى التوراتية ثم القرآنية لاحقًا فهو عالم عارف قادر على كلّ شيء، بيده أنيط الثواب والعقاب وإليه المآب.

لقد تطوّرت هذه الفكرة، أي فكرة التوحيد، عابرة من التعدّدية الفكريّة، أي من توزيع المسؤوليّات الطبيعيّة والكونيّة على أكثر من موظّف -فكرة - (= إله) يسيّر كلّ منها على حدة أمرًا من أمور البشر، إلى فكرة الوحدانية. أي، إلى وضع كلّ الوظائف على عاتق فكرة واحدة جامعة، هي فكرة الإله الواحد الذي يجمع بيديه كلّ المسؤوليات عن الطبيعة والإنسان.

ولمّا كان البشر، ومنذ أن خطوا على هذه البسيطة، ينتمون إلى أعراق عديدة وينمازون فيما بينهم في الأزمنة والأمكنة والأجناس والأطباع، كذا كان الاختلاف في أجناس وأطباع موظّفيهم - آلهتهم - المعتمدين من قبلهم للقيام بالمهام التي إنيطت بهم لأغراض شتّى. لقد أسبغوا على آلهتهم مسؤوليات متنوّعة، بدءًا من وظائف الإرعاد والإمطار ومنسوب ارتفاع مياه الأنهار وانتهاءً بالحبّ والحرب والغضب والحكمة والشمس والقمر والليل والنهار، والبرّ والبحر والخير والشرّ. ويمكن إجمال كلّ هذه الوظائف بأنّها كانت دائمًا مرتبطة بكلّ ما يواجه الإنسان في مسيرة حياته على هذه الأرض، في هذه الدنيا وهذه الدّار.

لقد شغلت كلّ هذه المسائل بال الإنسان في كلّ زمان ومكان ومنذ القدم. كما شغلت طبيعة الآلهة باله ولم يتوانَ عن البحث فيها وإثارة التساؤلات حولها. فها هو الفيلسوف الإغريقي اكسينوفانس (Xenophanes) من القرن السادس قبل الميلاد ينتقد المعتقدات السائدة بشأن الآلهة في ذلك الأوان، تلك المعتقدات التي تُضفي صفات شتّى على الآلهة هي في الواقع صفات في صميم الصفات البشريّة.

لقد سخر اكسينوفانس من هؤلاء مُذكّرًا أنّ أهل تراقيا يصوّرون الإله أزرق العينين ذا شعر أحمر بينما أهل الحبشة يصوّرون الإله أسمر اللّون أفطس الأنف، إذ كلّ واحد من هؤلاء يصوّر إلهه على شاكلته. ثمّ يمضي اكسينوفانس في رفض كلّ هذه التّصوّرات قائلاً إنّه لو كانت الخيول والثيران تمتلك أيادي وتعرف فنّ الرسم بأياديها لكانت صوّرت هي الأخرى آلهتها على شاكلتها، ولكانت الخيول رسمت آلهتها على صورة الخيول ولكانت الثيران رسمتها على صورة الثيران. لقد رغب اكسينوفانس في القول إنّ كلّ هذه الآلهة هي من صنع البشر، ولذا فإنّ كلّ ما يُغدق عليها من صفات هي أمور وإسقاطات نابعة من صفات وأطباع وميول الذين اختلقوها ابتغاء القيام بأداء المهام المنوطة بها، وابتغاء خلق صلة عضوية بين عمل الإنسان وعمل الآلهة.

ومثلما هي حال الآلهة الـ"وثنية" القديمة، كذا هي الحال مع الإله التوحيدي، إله التوراة - إيلوهيم، يهوه وسائر أسمائه - الذي، وكما كنت قد وقفت وفصّلت الكلام في هذه المسألة في سلسلة مقالات سابقة، كان قد انتقل مُترجَمًا من التوراة إلى القرآن.

فلو نظرنا إلى طبيعة هذا الإله التوحيدي كما تنعكس في الصفات التي تُسبغ عليه في التوراة والقرآن لرأينا أنّها مأخوذة من صفات لصيقة بحياة البشر ومفاهيمهم على هذه الأرض. كذا هي حال صفات وأطباع الإله التوراتي، وكذا هي من ثمّ الصفات والأسماء الحسنى القرآنية.

غير أنّنا يجب أن ننتبه إلى حقيقة أخرى. فدائمًا كان هنالك فرق واضح بين فهم طبيعة هذا الإله لدى العامّة من النّاس وبين طبيعته لدى الخاصّة، من العارفين. وهذا الفرق أيضًا يندرج ضمن ذات التصوّر الآنف الذّكر من أنّ طبيعة الإله مرتبطة بطبيعة الإنسان المؤمن. فكلّما تقدّم الإنسان المؤمن في دروب المعرفة كلّما ازداد إلهه معرفة أيضًا. ومن جهة أخرى، كلّما غرق الإنسان المؤمن في مستنقعات الجهل كلّما كان إلهه غارقًا هو الآخر في مستنقعات جهله هذه أيضًا. لأنّ الإله في نهاية المطاف على شاكلة عبده.

من هذا المنطلق، يمكننا القول إنّ إله المتصوّفة وإله الفلاسفة هو أسمى وأرقى مرتبة من إله العامّة، أو إله الجهلة من البشر. من هنا أيضًا، فلا يمكن أن يكون إله ابن عربي بذات المرتبة مع إله الجهلة من العوام. فلننظر في كلام ابن عربي البارق في هذه الأبيات: "لقد كنتُ قبل اليوم أُنكرُ صاحبي - إذا لم يكنْ ديني إلى دينه داني / فقد صارَ قلبي قابلاً كُلّ صـورةٍ - فَمرعًى لغُزلانٍ وديرٌ لرُهبــانِ / وبيتٌ لأوثان وكعبةُ طائـفٍ - وألواحُ توراةٍ ومُصْحفُ قُـرآنِ / أدينُ بدين الحـُبّ أَنَّى تَوَجّهتْ - ركائبُهُ، فالحُبّ ديني وإيماني".

فهل دين الحبّ هذا، كما يظهر في كلام ابن عربي، هو دين المؤمنين الآخرين؟ وهل إله ابن عربي هذا هو ذات الإله الذي يتبدّى على الملأ في نصوص شعبيّة أخرى ذاع صيتها في هذه البقعة من الأرض؟ وعلى سبيل المثال، وفقط للتذكير، نقصد مثل نصوص الكراهية التي تتبدّى في دعوات مثل: اللهمّ احصهم عددا واقتلهم بددا، اللّهم شتّتْ شملهم، اللّهمّ يتّمْ أطفالهم ورمّل نساءهم، إلى آخر هذا النّوع من الأدعية الموجّهة إلى النصارى واليهود وسائر البشر ممّن يوضعون في خانة الـ"كفار".

والإجابة على هذا التساؤل واضحة للعيان، ولا حاجة إلى تفصيلها. فكلّ من يملك ولو ذرّة من بصر أو بصيرة يستطيع الوصول إليها بما أوتي من فهم ونباهة. ففي نهاية المطاف، فإنّ طبيعة الإله هي كطبيعة صاحبه، إنّ كان قبليًّا فإلهه يأتي على شاكلته قبليّ الطّبع، وإن كان أمميًّا محبًّا فإلهه أمميّ محبّ، على غرار إله ابن عربي.

وهكذا، عندما أقول إنّ المؤمنين هم أعدى أعداء اللّه، فإنّما أعني بالقول كلّ هؤلاء الجهلة الّذين يرسمون الإله على شاكلتهم فيزيدونه جهلاً على جهل، ويجهلون به فوق جهل الجاهلين.

إنّ هؤلاء النّفر من المؤمنين، وهم الغالبيّة العظمى، عادة ما يكونون أداة طيّعة في أيدي الأشرار من تُجّار الدّين من ذوي المآرب التي لا علاقة لها بالإيمان والأخلاق.كما يمكن القول إنّهم ليسوا أداة فحسب، بل إنّهم يُضحون في صفّ أعداء اللّه ذاته بسلوكهم وتصرّفاتهم. وذلك لأنّهم، بسلوكيّاتهم تلك، إنّما هم يَنقُضون حقيقة وجوهر هذا الإله الذي يؤمنون به.

لينظر القارئ من حوله وليتفكّر فيما هو حاصل. ولكي أعطي مثالاً واحدًا بيّنًا على هذه الحال، فيكفي القول إنّ أشدّ الّذين يظهرون مدافعين عن هذا الإله التوحيدي هو من صنف هؤلاء الجهلة بحقيقة هذا الإله وجوهره الّذي رُسم في ذهنيّتهم ببعض صفاته وأسمائه. ولمّا كان هؤلاء يصفون هذا الإله بالعالم الجبّار القادر على كلّ شيء، فإنّهم بتصرّفاتهم تلك التي يظهرون بها مدافعين عنه بكلّ شاردة وواردة، يلغون في حقيقة الأمر، قدرة هذا الإله على كلّ شيء. وهكذا، فإنّهم بسلوكيّاتهم تلك، يضعون إلههم في مرتبة هشّة وضيعة، كمن هو بحاجة ماسّة إلى حماية من طرفهم، أي من طرف هؤلاء الجهلة. فإذا كان قادرًا على كلّ شيء، كيف ذا يُنزله كلّ هؤلاء الجهلة من عليائه وكبريائه وقدرته ويضعونه في حال العوز إليهم؟

وختامًا، يمكن القول إنّ هذا السّلوك الصّادر عنهم هو أشدّ أنواع الكفر، على الأقلّ من وجهة النّظر الدينية التي يتظاهرون بالتّمسّك بها. ولذا، وجب إجمال القول بأنّ هؤلاء المؤمنين، على اختلاف مللهم ونحلهم، هم في الحقيقة أعدى أعداء الله. وفي ذلك فليتفكّر المتفكّرون.

والعقل ولي التوفيق!
*
المقالة في: الشفّاف
***

جهة الفيسبوك

 

نظرة على القدس القديمة

نظرة على القدس القديمة

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008


عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics