عن الكتابات الفلسطينيّة بالعبريّة

سـلمان مصـالحة / عن الكتابات الفلسطينيّة بالعبريّة
قبل مدّة وصلني بريد إلكتروني من الزّميل نائل الطوخي ذاكرًا لي فيه إنّه يُعدّ تقريرًا شاملاً للنشر في “أخبار الأدب” القاهرية. والتقرير يدور حول كتابات بعض الفلسطينيّين من مواطني إسرائيل باللغة العبرية.

لقد سألني نائل في رسالته إن كنت مستعدًّا للإجابة على عدّة أسئلة تتعلّق بالموضوع. وقد أجبته بالإيجاب بالطبع. وبالفعل فقد أرسلت له إجاباتي على أسئلته.

وأخيرًا نُشر التقرير في “أخبار الأدب”، غير أنّي وجدت أنّ الإجابات قد حذف الكثير لكثير منها. ولا بأس في ذلك، فهذا من مسؤولية نائل أوّلاً ومن بعده المحرّر في “أخبار الأدب”.

لكن، ومن جهة أخرى، ولأنّ الموضوع مهمّ فقد رأيت أن أضع الأسئلة التي وصلتني، مرفقة بإجاباتي عليها كاملة، وذلك لتعميم الفائدة.
***

الأسئلة والإجابات كما أرسلتها:

أولا، ما الذي يدفع مبدعا عربيا للكتابة بالعبرية، ما إحساسك إزاء أزمة هويتك هنا؟

هذا السؤال مؤلّف من شقّين، ويفترض في طرحه بهذه الصّورة أنّ هنالك رابطًا بينهما. لا أعتقد أنّ ثمّة خيطًا واضحًا يصل بين شقّي السؤال. على كلّ حال، سأحاول من خلال الإجابة تبيان ما قد يلتبس في ذهن البعض في هذه القضايا.

أبدأ فأقول، إنّ الكتابة باللّغة العربيّة على العموم، من المحيط إلى الخليج ومن السودان إلى الشام، هي كتابة بلغة مُكتَسَبة في المدرسة، وليست لغة أمّ بأيّ حال من الأحوال. وبكلمات أخرى، الكاتب العربي، أينما كان، لا يكتب بلغة أمّه، لأنّ لغة أمّه هي اللّغة المحكيّة: مصريّة، مغربية، تونسية، سورية أو عراقية إلى آخر هذه القائمة، وهذه اللّهجات على تنويعاتها هي هي لغة / لغات الأمّ. أمّا هذه اللّغة التي أكتبها في هذه الإجابات فهي ليست لغة أمّ. إنّ هذه الازدواجية اللّغوية المزمنة، مضافة إلى تفشّي الأميّة، هي برأيي من بين المعوقات المركزية التي تقف حجر عثرة في طريق المجتمعات العربية بصورة عامّة. يجب أن تبقى هذه الحقيقة في البال لدى التطرّق إلى مثل هذه المسائل.

لهذا السبب أيضًا، فإنّ كلّ لغة أخرى يكتسبها الفرد، غير العربية المعيارية، وبمدى عمق هذا الاكتساب للغة، تصبح هذه اللغة الجديدة في نهاية المطاف شبيهة باللغة العربية المكتَسَبَة هي الأخرى في المدرسة.

اللغة، أيًّا كانت هذه اللّغة، هي أداة الكاتب في كلّ زمان ومكان. وفيما يخصّ الكتابة بلغة أخرى غير العربيّة، كالعبريّة مثلاً، يجدر التّفريق بين حالتين. فهنالك أشخاص لا يجيدون الكتابة بالعربيّة لأسباب كثيرة ليس هنا المجال لتفصيلها الآن، بينما هم يجيدون الكتابة بالعبريّة فقط. فهل ستطلب من هؤلاء أن يكفّوا عن الكتابة لأنّها ليست لغة أمّهم؟

أمّا فيما يتعلّق بي شخصيِّا، فأنا أشبّه اللّغة بالآلة الموسيقيّة لدى الفنّان الموسيقي. لا أعتقد أنّك كنت ستطلب من موسيقي أن يعزف على آلة واحدة فحسب إذا كان يجيد العزف على أكثر من واحدة. كما تعلم فأنا أعشق اللغة العربيّة، لغتي، ولم ولن أتنازل عنها بأيّ حال من الأحوال. وكما تعلم أيضًا فأنا أواصل الكتابة بهذه اللّغة، لغتي القومية، فلا خوف عليها من جهتي. ولكن وفي الوقت ذاته، لمّا كانت اللّغة العبريّة هي آلة موسيقيّة أخرى أجيد العزف عليها فإنّي أحاول العزف عليها أيضًا. ستسقط الحساسية عن هذا السؤال عندما نفرّق بين اللّغة كأداة تعبير وبين الأيديولوجيّات والسياسة. يجب ألاّ ننسى أنّ اللّغة العبريّة هي جزء هام من النّسيج اللّغوي السّاميّ، بل وأستطيع أن أؤكّد لك أنّك كعربيّ ومسلم لا تستطيع أن تفهم التراث الإسلامي على حقيقته دون معرفة اللّغة العبريّة، وقد أشرت إلى بعض هذه الجوانب في بعض الأبحاث التي نشرتها باللغة العربيّة.

أمّا بخصوص الشقّ الثاني من السؤال، فأنت تفترض وجود أزمة هويّة. إنّ سؤال الهويّة، على كلّ حال، هو سؤال كبير يحتاج إلى بحوث معمّقة. إنّه سؤال مطروح على مستوى العالم بأسره. الهويّة على العموم ليست أمرًا جامدًا وثابتًا، بل هي تتحرّك وتتشكّل في ظروف متغيّرة وتحت مؤثّرات متنوّعة من الناحية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية إلخ. فلو نظرنا إلى هذا العالم العربي من حولنا فإنّنا نرى بوضوح كلّ هذا التّخبّط الكبير في مسألة الهويّة. إنّه تخبّط لا يقتصر على قطر دون آخر بل هو يشمل كلّ هذه الأقطار بلا استثناء. ثمّ إنّ كلّ هذه الهويّات القطريّة التي تتحدّث عنها، ما هي إلاّ نتاج حدود رسمها الاستعمار في هذه المنطقة من العالم.

خلاصة القول حول هذا السؤال، كلّ من يقصر هويّته على حدود رسمها له الاستعمار الأجنبي فهذا شأنه هو وليشرح لنفسه أوّلاً هذه الهويّة الاستعماريّة التي يرتضيها لنفسه. أمّا أنا فلا يمكن أن أقصر هويّتي على ما يضعه لي الآخر من حدود استعمارية. إنّ هويّتي الثقافية الأولى هي عربيّة أوّلا وقبل أيّ شيء آخر، وهي شاميّة من ناحية الفضاء الجغرافي. إنّها هويّة عربيّة ثقافيّة تفصل العروبة عن الدّين، كلّ دين. فنحن ننتمي إلى حضارة عربيّة منذ ما قبل الإسلام وما قبل اليهودية وما قبل المسيحية. هذا هو الأصل الذي ننتمي إليه، وليس أيّ شيء آخر. ومن ناحيتي أؤكّد على أنّ هذه الهويّة التي أعنيها هي هويّة لغويّة في الأساس. أقول كلّ ذلك مع التأكيد على أنّ هذه الهويّة منفتحة على العالم وليست متقوقعة ومنغلقة على ذاتها.

ثانيا: من أول أنطون شماس مرورا بك وصولا إلى سيد قشوع وأيمن سكسك، هل ترى أن هناك ملامح محددة للأدب الفلسطيني المكتوب بالعبرية؟

هنالك نوعان من هذا الأدب، ويجب الفصل بينهما. نوع واحد هو عبارة عن رواية فلسطينية بشخصيّاتها وأجوائها وأحداثها، ولكنّها مكتوبة بالعبرية من قبل كاتب فلسطيني. وثمّة نوع آخر من الكتابة وهو كتابة لكتّاب فلسطينيّين بالعبريّة تحمل في طيّاتها كلّ ذلك التوتّر القائم لدى الأجيال "الفلسطينيّة الإسرائيليّة"، إذا ما استخدمنا هذا التعبير لتوصيف حالة الفلسطينيين من مواطني إسرائيل. ولمّا كانت كلّ هذه الأجيال على العموم الآن تقرأ العبرية، فإنّها أضحت تقرأ عن ذاتها بلغة أخرى غير لغة أمّها.
من جهة أخرى، هذه الكتابات الأدبيّة، الشعرية والروائية، على القارئ العبري، الإسرائيلي اليهودي، مرآة پانوراميّة عاكسة لمساحات أوسع في الساحات الخلفيّة للفضاء الإسرائيلي. وهي مساحات ما كان ليراها هذا القارئ لولا هذا النّؤع من الكتابات.

وفي جميع الأحوال، إنّ في هذا النوع من الكتابة الأدبيّة ما يمكن أن أُطلق عليه "إصابة عصفورين بحجر واحد". فمن جهة، إنّ هذه الكتابة توسّع فضاء "الفلسطيني الإسرائيلي" من خلال تخطّي الكثير من الرقابات الاجتماعية، الدينية والثقافية التي تتّسم بها الكتابة العربية. ومن الجهة الأخرى فإنّها تفرض نفسها على القارئ العبري، شاء ذلك أم أبى. إنّها تفرض عليه الخروج من بوتقته المُغلقة وتقوم من خلال ذلك بعمليّة هدم لجزء من من الحدود الإثنية اليهوديّة للأدب العبري.

ثالثا: ماذا تفعل إزاء الاتهامات من الجانبين، الجانب العربي الذي يرى في كتابتكم بالعبرية تخليا عن الهوية الفلسطينية، والجانب الإسرائيلي الذي يقلقه وجود صوت فلسطيني يعبر عن أزمته ويتعامل معه مباشرة بلغته مما لا يوفر له فرصة لتجاهله؟

لا أعتقد أنّ هنالك من يتّهم مغاربة، جزائريين، توانسة أو لبنانيين لمجرّد أنّهم يكتبون باللغة الفرنسية على سبيل المثال. لذلك فإذا كان ثمّة من يُطلق هذا النوع من الاتهامات فيبدو أنّ اتهاماته نابعة من مكان آخر لا علاقة له بالموضوع. أمّا من جهتي، فقد ذكرت أنّي أعزف على آلتي اللّغوية العربية، وعلى آلتي العبرية المكتسبة هي الأخرى، ولو امتلكت آلة، لغة أخرى وكنت واثقًا من امتلاكي لها بعمق، لعزفت عليها أيضًا.

على كلّ حال أعتقد أنّ هنالك، فيما ذكرت من قبل، إجابات على كلّ هذه التساؤلات.

***
لقراءة التقرير كما نشر في “أخبار الأدب”، انقر هنا.
__________________

راشومون متوسّطي

سـلمان مصـالحة / راشومون متوسّطي

لعلّ خير ما أبتدئ به هذا الدعاء:
"إلهي! / أعوذُ بك الآن من شَرّ أهلي / يبيعون خَمْرًا رديئًا / ويُؤذونَ ليلَ السَّكَارى البريءْ"، وهي كلمات دعاء من قصيدة للشاعر التونسي محمّد الصغير، وهو الشاعر الذي شاء أن يأخذ اسم قبيلته "أولاد أحمد" بدلاً من اسم محمد الصغير. وهكذا أضحى، بين ليلة وضحاها، مفردًا بصيغة الجمع كما لو كان اسمًا لشركة مقاولات أو لافتة مرفوعة على متجر عائليّ.

لقد كان أولاد أحمد قد قرأ هذه القصيدة جالسًا على يسار سميرة نقروش، وهي الجزائرية التي أدارت الجلسة الصباحيّة هذه من صباحات مهرجان أصوات البحر المتوسّط، والذي التأم للمرّة الثالثة عشرة في بلدة لوديف، جنوب فرنسا، في النصف الثاني من شهر تموز المنصرم.

لقد عدت، بعد مرور أحد عشر عامًا، إلى بلدة لوديف في الجنوب الفرنسي. لقد كنت سمعت قبل مجيئي عن حيثيّات خلافات نشبت حول المهرجان بين الإدارة في السنوات السابقة وبين البلديّة لا أعرف تفاصيلها ومدى صحّة ما أشيع عنها، ولذلك لن أدخل في هذه المعمعات، إذ لا علاقة لها بموضوع هذه المقالة. وهكذا، فإنّ التعوّذ من شرّ الأهل، على ما يبدو، ينفع لكلّ زمان ومكان وبكلّ اللّغات.

***

وعلى كلّ حال، فرغم المدّة الزمنية القصيرة التي أتيحت للطاقم الإداري الجديد للمهرجان مدعومًا من بلديّة لوديف للنهوض بالمهرجان، فقد بدا واضحًا التّنظيم الجيّد للقراءات حيث توزّع الشعراء على القراءات دوريًّا على مواقع مختلفة في البلدة، بدءًا من القاعات وردهات البيوت والساحات العامّة وانتهاء بالقراءات على إيقاع خرير النّهر (الوادي) الذي يقطع هذه البلدة الوادعة. وكلّ الفضل يعود لهذا الطاقم الجديد المدعوم من البلديّة، حيث ظهر التّفاني في العمل بغية مواصلة مشوار المهرجان وإنجاحه.

كانت النهارات مكرّسة للقراءات الشعريّة، بينما احتلّت أماسي المهرجان عروضٌ موسيقيّة في مدرجات أُعدّت خصّصيًا لهذا الغرض. وقد تشكّلت في الليالي أيضًا حلقات موسيقيّة مرتجلة في الهواء الطّلق في ساحة الكاتدرائيّة حيث كان يجتمع الجمهور للاستماع، للشّراب وللدردشة، أو للتمايل على وقع الأنغام والرّقص، كلّ على ليله وليلاه، حتّى ساعات متأخّرة.

لقد كان واضحًا خلال أيّام المهرجان أنّ المنظّمين قد أُفردوا بين القراءات العديدة للشعراء فسحات زمنيّة حرّة للشعراء القادمين من بلدان مختلفة للتمتّع بأجواء البلدة، للقاءات فرديّة هنا وهناك، على فنجان قهوة، كأس نبيذ محلّي لذيذ أو ما سوى ذلك. وهذه اللقاءات الشخصيّة مهمّة وهي أحيانًا تُنافس النصوص الشعريّة التي تُقرأ على انفراد. وذلك لأنّ اللّقاءات تكشف في الكثير من الأحيان ما بطن من أمور خلف تلك النّصوص والسطور. كما أنّها أحيانًا تُلقي ضوءًا على ما استتر خلف الابتسامات المتبادلة بين البعض من توتّرات مردّها إلى الشّلل والملل والنّحل الثقافية والاجتماعية والسياسية. وفي نهاية المطاف أحمد ربّي على كوني أعيش بعيدًا عن كلّ ذلك.

***

هل هو حقًّا مهرجان متوسّط؟

إنّ الاسم الذي أُطلق على المهرجان، "أصوات المتوسّط" هو على ما يبدو اسم مطّاط، إذ لا يقتصر القادمون إلى لوديف على البلاد الحادّة بهذا البحر. فلو نظرنا إلى أسماء البلاد التي يأتي منها الشّعراء إلى هذه البلدة، نجد على سبيل المثال أسماء مثل كوسوفو، مقدونيا، ألمانيا، البرتغال، العراق، وفي سنوات سابقة وجدنا البحرين، السعودية وما إلى ذلك. وعلى ما نعلم فكلّ هذه البلدان لا تحدّ بهذا البحر المتوسّط. فهل هنالك مقولة أخرى وراء هذه الحقيقة، مثلاً كأن يكون هذا المنتدى الشعري نوعًا من تثاقُف الشمال بالجنوب والغرب بالشّرق، أو شيئًا من هذا القبيل؟ أصارحكم القول: لا أملك إجابة وافية على هذا التّساؤل. قد تكون الإجابة نعم وقد تكون لا.

وعلى كلّ حال، إذا كان ثمّة قصد تثاقفي من وراء هذا المهرجان، فإنّ من يقرأ عن مجرياته كما يُنشر باللغة العربية مقارنة بما يُنشر بلغات أخرى، فقد يأخذ المرء انطباعًا كما لو أنّه إزاء مهرجانات مختلفة تجري في عوالم مختلفة لا تمتّ إلى بعضها البعض بصلة. فقارئ الأخبار بالعربية يأخذ انطباعًا خاطئًا، كما لو أنّ المهرجان عربيّ بامتياز، لا وجود لأصوات ولغات أخرى فيه.

في أحد الصباحات، أذهب قبل الظّهر لإحدى القراءات، فأستمع إلى كاترينا إليوپولو، شاعرة يونانية شابّة، تقرأ عن "امرأتها" المفترضة : "امرأتي ليستْ شَجَرَة / إنّها حجرٌ / عندما أقضمُها تَتكسّرُ أسناني./ …. / أستطيعُ فقط أنْ أُغيّرَ فَضاءَها / وهكذا أرْميها بَعيدًا / وبعدئذٍ أعْدُو مثلَ كلبٍ يَبْتَلعُ المسافات / لأُعِيدَها إليّ"، من كلمات قصيدتها "قصيدة حبّ". ثمّ أستمع إلى عزف محموت دمير الكردي التركي على السّاز. أتساءل، هل يجب أن يكتب اسمه بالعربيّة محمود ضمير، أم أبقي عليه كما هو في التركية؟ مهما يكن من أمر، فهو عازف بارع على آلة السّاز وهو مغنّ بارع أيضًا في التركية والكرديّة وقد ألهب الجمهور في ليالي ساحة الكاتدرائيّة.

ثمّ استمع إلى قراءة كويتيم پاشاكو، شاعر غجري من كوسوفو، وأنصت للترجمة إلى اللّغة الفرنسيّة التي لا أتقنها فأستعين بصديقتي لفهم جوّها العامّ. وقبل أن ينهي قراءته، يقف ويخطو باتّجاه البيانو في طرف المنصّة ليعزف على مسامعنا لحنًا غجريًّا حزينًا مغنّيًا شيئًا بلغة لم أفهمها بالطّبع. ولا بأس في ذلك، فكثيرًا ما نستمتع بالميلوديات دون أن نفهم نصوصها، فالموسيقى عابرة لحدود اللّغة منذ أن تبلبلت الألسن في بابل. لاحقًا يتبيّن لي من حديث عابر معه إنّه بالإضافة إلى الشّعر فهو مهموم جدًّا بأحوال كوسوفو، وعلى وجه الخصوص ينصبّ اهتمامه حول حقوق الأقليّة الغجريّة في هذه الدولة الوليدة الجديدة بعد أن انفرطت سبحة يوغوسلافيا والبلقان بأسره. فماذا أقول للشاعر الغجريّ الآن؟ هل أردّد على مسامعه قول امرئ القيس من البحر الطويل : "أَجارتَنا إنّا غَريبان ها هُنا - وَكُلّ غَريبٍ للغَريب نَسيبُ"؟ غير أنّي أعدل عن ذلك. فما له، لنا، ولامرئ القيس الآن في هذه الساعة غير الجاهليّة في الجهة الأخرى من هذا البحر المتوسّط.

وهكذا، بين قراءة وأخرى تختلط كلّ الأصوات واللّغات في الأذن خلال الأسبوع، من الكرواتية، البرتغالية، الإيطالية، الإسپانية، اليونانية، العبريّة وغيرها من لغات المتوسط وغير المتوسط، مع اللغة العربية القادمة من أقطار عديدة. وكلّ هذه تمتزج مع اللغة الفرنسيّة شعرًا في الأصل وعبر الترجمة من اللّغات الأخرى. لكنّ شيئًا ما يحزّ في النّفس وهو ما سمعته من غير واحد من الفرنسيّين الّذين أثق بهم بخصوص الترجمات من العربيّة حيث ذكروا أنّ أسوأ الترجمات للفرنسيّة هي تلك الّتي جاءت من اللّغة العربيّة. أتساءل بيني وبين نفسي، هل هذه الحال هي قدر ملازم للعربيّ أنّى حلّ وأنّى ارتحل؟

***

شيء عن الموسيقى:

في أحد جوانب الكاتدرائية المطلّ على حديقة عامّة بُني مدرج خاص ومنصّة للعروض الموسيقيّة. أذهب لعرض الفلامنكو والأندلسيّات برفقة سميرة. فجأة أسمع أنّ بعض الغناء الأندلسي، يرتفع في الأجواء باللغة العبريّة إضافة إلى بعضه بالعربيّة. أقول لسميرة ذلك فتتفاجأ، فأترجم لها بعض الغناء الذي كان أشبه بمناجاة دينيّة صوفيّة. ثمّ نلاحظ أنّ المغنّي كبير السنّ يضع على رأسه الكيپاه، وهي قبّعة صغيرة توضع على الرأس علامة على كونه يهوديًّا متديّنًا. وبين هذا وذاك، بين الإيقاعات المغربيّة وبين الغناء الإسپاني، تأخذنا راقصة الفلامنكو إلى عوالم ساحرة أخرى. ضربات نعليها تتصادى في ليل لوديف، بينما يتحرّك جسدها بإيقاعات متسارعة مشرعة يديها ناعفة بهما هواء هذه الليلة سفلاً وعلوًا، يمينًا ويسارًا، كما لو كانت مصارعة ثيران في حلبة تأخذ بالاتّساع تدريجيًّا في عيون الجمهور المشدوهة، ثمّ في أياديهم المصفّقة لها. وهكذا تتعالى في هذه الليلة الإيقاعات ممزوجة بحركات الجسد وبالكلمات العربية الإسپانية والعبريّة.

ألتفت ورائي فأرى في الساحة العازف المغنّي محمود ضمير بين الواقفين الذين لم يجدوا مقعدًا في هذه الليلة. أتقدّم نحوه وأتحدّث إليه، فيُسرّ لي وهو العارف بأمور الموسيقى أنّ الموسيقى والألحان المغاربيّة فقيرة للغاية ولا تتّسم بأيّ عمق من الناحية الفنيّة ولا من ناحية التقنيّات. ولأنّي لستُ أفهم بالموسيقى بل أستمع إلى ما يروق لأذني فحسب، أحاول أن أسأل بعد عودتي إلى الوطن صديقًا فلسطينيًّا موسيقيًّا فاهمًا بهذه القضايا : هل صحيح ما أسرّه لي محمود ضمير بهذا الشأن؟ فيؤكّد الصّديق على هذا القول.

لكن، هذا لا يعني أن موسيقى المشرق العربي بأحسن حالاً من شقيقاتها، فقد تركت أحد العروض بعد عشر دقائق فقط، فقد كان كونسرت الثلاثي الفلسطيني الّذي جرى في المدرّج الصغير باهتًا ومملاًّ جدًّا. وعندما سألت بعد عودتي صديقي الموسيقي الفسطيني عن رأيه في ذلك الثلاثي القادم من الشّرق قال لي متبسمًا إنّهم مثل شعر "فلان الفلاني"، وذكر لي اسم أحد مهابيل ما يُسمّى بالشعر الفلسطيني المحلّي، ففهمت قصده، فضحك وضحكت.

خلافًا لذلك جاء في ليلة لاحقة كونسرت ثلاثي الجاز روزنبرغ في المدرج الأكبر، حيث التهب الجمهور بأسره من الحرفيّة الفنيّة والإتقان المحكم للعازفين، حيث أعاد الجمهور بالتصفيق الحادّ والصّفير هؤلاء العازفين أكثر من مرّة إلى المنصّة. حتّى أنّ الصديقة التي صرّحت قبل الأمسية إنّها قد لا تأتي للعرض لأنّها لا تحبّ الجاز فقد رأيت الفرح يتصبّب من عينيها ويديها في هذه الأمسية بعد أن حضرتها.

***

وأخيرًا: دلالة جديدة لمصطلح الـ"ممانعة"؟

لقد توصلّت خلال أيّام المهرجان إلى قناعة أخرى. هنالك دلالة جديدة لمصطلح الـ"ممانعة". الآن فهمت أنّ مصطلح "الممانعة" يعني شيئًا آخر غير تلك الدلالات التي شاعت في الإعلام العربي. فلقد نما إلى أسماعي أنّ الشاعر السّوري عارف حمزة الذي كان مدعوًّا للمهرجان لم يستطع الحضور، مع أنّه حاول جاهدًا أن يأتي للمشاركة في المهرجان. وعلى ما فهمت من أقوال البعض فإنّه بعد أن توجّه لاستصدار جواز سفر بغية السّفر للمشاركة في المهرجان تبيّن له أنّ ثمّة أمرًا يحظر عليه الخروج من بلده. لم يكن الشاعر السّوري يعلم بهذا الأمر من قبل، كما لم يشرح له أحد سبب هذا المنع. هذه هي إذن، على ما يبدو، الدلالة الحقيقيّة لمصطلح "الممانعة" في عرف أنظمة من هذا النّوع. أي الـ"ممانعة" هي منع كاتب أو شاعر من مغادرة بلده للمشاركة في مهرجان دوليّ. "لا باس"، كما يلهج أخوتنا المغاربة، أو : "هيك الـممانعة وإلاّ بلاش"، كما نقول نحن في لهجتنا.

إذن، والحال هذه، فلنتعوّذ في النهاية مرّة أخرى بكلمات التّونسي المفرد، أولاد أحمد: "صدَقتَ، إلهي. / إنّ الملوكَ – كما الرُّؤساءُ – / إذا دخلوا قريةً أفسَدُوها / فخرِّبْ قُصورَ الملوكِ / ليَصلُحَ أمرُ القُرَى".

***
نشر في: الأوان - منبر رابطة العقلانيين العرب

جهة الفيسبوك

 

نظرة على القدس القديمة

نظرة على القدس القديمة

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008


عدد زيارات منذ الإطلاق
blogger statistics