"إهيه أشر إهيه" في التراث الإسلامي


سلمان مصالحة

"إهيه أشر إهيه" في التراث الإسلامي


سنقتفي في هذا البحث
أثر المصطلح التّوراتي الآخر الّذي ذكره "يهوه" لموسى في سفر الخروج اسمًا له، وسنرى كيف ظهر هذا المصطلح لفظًا ومعنًى في التّراث الإسلامي. وهذا المصطلح الّذي نعنيه هو المصطلح المركّب "إهْيِهْ أَشِرْ إهْيِهْ" (= أكون الّذي أكون)، وهو مشتقّ أيضًا من ذات الجذر العبري الّذي يدلّ على معنى الكون، كما ويُعتبر مرادفًا للاسم الأعظم للّه في العقيدة اليهوديّة.

ولكن، وقبل أن ندخل في هذه القراءة للمراجع التراثيّة، دعونا ننظر أوّلاً في هذه القضيّة التي تعرضها إحدى النّساء المسلمات على أهل الإفتاء طالبة منهم إفادتها. تسرد هذه المرأة القصّة، وهي على ما يبدو قصّتها هي نفسها غير أنّها تحيلها إلى قريبة لها، فتذكر في رسالتها أنّ لها قريبة وأنّ لقريبتها بنتين لم تتزوّجا. ثمّ تضيف أنّ قريبتها تعتقد أن سبب عدم زواج البنتين هو السّحر، ولذلك قامت باستدعاء أحد الشّيوخ الّذي رقى البنتين الرّقية الشّرعيّة. ثمّ تذكر المرأة في سردها للقصّة أنّ ذلك الشّيخ قد أضاف ورقة غريبة لتعليقها في ثياب هاتين البنتين، فتقول حرفيًّا: "ثم أعطاهُما ورقةً تُعَلّق في الثياب وتكون ملازمةً لهنّ، بها بعض الآيات القرآنيه، وبها اسمٌ غريب (شراهيا براهيا)، ويقول: إن هذا الاسم من أسماء الله بالعبرية."، ثمّ تسأل المرأة عن حكم تلك الورقة وعن السّحر.

لقد جاءت الفتوى بهذه المسألة، لتُذكّر المرأة بأنّ تأخير الزواج قد يكون من السّحر وقد يكون من غيره، إذ أنّ اللّه يقدّم ويؤخّر ما يشاء، ثمّ تُضيف الفتوى: "ولكنّا نُنبّه على أنّ الرقية يُشترط فيها أن لا يكون فيها ما لا يُفهم معناه. ومن العجب أن يعدل الرّاقي عن الرقية باسم الله الأعظم الثابت في نصوص الوحي إلى كلمات لا يعرفُ لها أصلاً. وحتّى لو ثبتَ أنّه من أسماء الله في اللغة العبرية، فهل ثبتَ في نَصٍّ من نصوص الكتب السماوية، أو عن نبيّ من الأنبياء؟ فأسماء الله توقيفية لا تُؤخذ إلاّ عن طريق الوَحْي." (رقم الفتوى: 61030، فتاوى الشبكات الإسلاميّة، بإشراف د. عبد الله الفقيه: ج 156، 245-246).

وبعد قراءة المسألة والفتوى
التي صدرت بشأنها، لا يسعني إلاّ القول إنّه، وعلى ما يبدو، فإنّ ذلك الشّيخ الرّاقي يعرف أمورًا في المأثورات الإسلاميّة لا يعرفها هؤلاء من أهل الإفتاء. فإذا كان عدم معرفة اللّغة العبريّة أمرًا مفهومًا بعض الشيء بطبيعة الحال - مع أنّي أؤكّد على أنّه لا يمكن فهم الإسلام على حقيقته دون التّمكُّن من لغة التوراة العبريّة - فإنّ ما لا أستطيع أن أفهمه هو تساؤلهم عن الوحي بشأن اسم الله الأعظم. إذ أنّ هذا التّساؤل يُبرز على الملأ جهل هؤلاء المُفتين، ليس بالعبريّة، بل يبرز جهلاً باللّغة العربيّة وبالرّوايات الإسلاميّة بهذا الخصوص. يبدو أنّ هؤلاء لم يقرؤوا الرّوايات الإسلاميّة بأنّ هذا الوحي بالاسم الأعظم هو من اللّه لموسى في قصّة بعثة إلى فرعون. فإذا كانوا لم يقرؤوا ذلك، فلنقرأ إذن معًا هذه الرّواية: "وقال ابن أبي حاتم...عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لمّا بعث الله عز وجل موسى إلى فرعون، قال: ربِّ، أيّ شيء أقول؟ قال قل: "هيا شراهيا". قال الأعمش، تفسير ذلك: الحيّ قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء." (تفسير ابن كثير: ج 5، 296؛ أنظر أيضًا: مصنف ابن أبي شيبة: ج 7، 119؛ جزء أبي الطاهر للدارقطني: 51؛ الدر المنثور للسيوطي: ج 5، 580؛ المطالب العالية لابن حجر: ج 10، 109). وفي رواية أخرى: "وأنّ بني إسرائيل سألوا موسى الكليم عن الاسم الأعظم، فأوحى اللّه إليه أنْ مُرْهُم أنْ يدعوني بآهيا شراهيا، ومعناه: الحي القيّوم." (فتح القدير للشوكاني: ج 1، 510؛ أنظر أيضًا: فيض القدير للمناوي: ج 1، 510)، وبرواية أخرى: "فقال لهم: أيا هيا شرا هيا، يعنى: يا حي يا قيّوم." (تفسير القرطبي: ج 3، 271؛ أنظر أيضًا: بحر العلوم للسمرقندي: ج 1، 238؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 3، 243).

وهكذا نرى أنّ الاسم "شراهيا براهيا" الّذي خطّه الشّيخ الرّاقي في الورقة للبنتين اللّتين لم تتزوّجا، بالإضافة إلى كلّ تلك التعابير الأخرى التي وردت في الروايات الإسلاميّة المُقتبسة آنفًا، مثل: "هيا شراهيا"، أو "آهيا شراهيا"، أو "أيا هيا شرا هيا"، أو أيّ تنويعات وتحريفات أخرى مثلها، فإنّها جميعًا عبارة عن تصحيف وتحريف للاسم الأعظم باللغة العبريّة الّذي ورد ذكره في التّوراة، وهو: "إهيه أشر إهيه". كما أنّ الرّوايات الإسلاميّة السّالفة بشأن وحي الله لموسى، فهي الأخرى تُحيل إلى النصّ التّوراتي ذاته الّذي ورد في سفر الخروج، وهو: "فَقَالَ اللّهُ لِمُوسَى: (إهْيِهْ أشِرْ إهْيِهْ)، وَقَالَ: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرائيلَ: (إهْيِهْ) أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. وَقَالَ بَعْدُ اللّهُ لِمُوسَى: كَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: (يهوه) إلهُ آبَائِكُمْ إلهُ إبْرَاهِيمَ إلَهُ إسْحَاقَ وَإلهُ يَعْقُوبَ، أَرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. هذا اسْمِي إلَى الأَبَدِ، وَهذا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ." (سفر الخروج، فصل 3، 14-15).

منذ القدم، وبخلاف الفتوى السّالفة،
يعترف أهل التّفسير بأنّ "إهيه أشر إهيه"، بجميع تصحيفاته وتحريفاته العربيّة، هو الاسم الأعظم للّه، كما يربطونه أيضًا بالمصطلح القرآني "الحيّ القيّوم". غير أنّه وبسبب غرابة هذا اللّفط للاسم العبري المركّب، فقد ظهرت خلافات حول مصدر هذا المصطلح. فقد ذهب بعضهم، في سياق تفسير الآية: "وظنّوا أنّهم أحيط بهم دعوا اللّه مخلصين له الدّين" (سورة يونس: 22)، إلى القول إنّ هذا المصطلح جاء من لغة العجم: "... وقال بعض المفسرين: إنّهم قالوا في دعائهم (أهيا شراهيا)، أي يا حيّ يا قيّوم. وهي لغة العجم." (تفسير القرطبي: ج 8، 325؛ أنظر أيضًا: المحرر الوجيز للمحاربي: ج 3، 348). وهنالك من قال إنّ هذا المصطلح هو من لغة المشركين بعامّة: "وقال ابن زيد: هؤلاء المشركون يدعون مع الله ما يدعون، فإذا جاء الضرّ والألم لم يدعوا إلا اللّه. وعن أبي عبيدة: أنّ المراد من ذلك الدعاء، قولهم: (أهيا شراهيا)، تفسيره: يا حيّ يا قيّوم." (تفسير النيسابوري: ج 4، 245؛ أنظر أيضًا: تفسير الطبري، ج 15، 51؛ أنظر أيضًا: تفسير الصنعاني: ج 2، 293؛ تفسير القرطبي: ج 8، 325؛ الكشف والبيان للثعلبي: ج 7، 20؛ تفسير الرازي: ج 8، 260؛ المحرر الوجيز للمحاربي: ج 3، 348). بينما يذهب الفيروزابادي وغيره بعيدًا فيقولون إنّ هذا المصطلح هو باليونانيّة: "و(إهيا) بكسر الهمزة و(أَشَراهيا) بفتح الهمزة والشين، يونانية." (القاموس المحيط للفيروزآبادي: ج 1، 1610؛ أنظر أيضًا: كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي: 360).

غير أنّ هنالك من أشار بالطّبع إلى الأصل العبراني للمصطلح. فها هو حقّي ينقل عن الكاشفي تفسيرًا بالفارسيّة: "يا حيّ يا قيّوم، كه بعبري آهيا شراهيا باشد." (تفسير حقي: ج 10، 53)، ولو ترجمنا للقارئ هذه الجملة الفارسية للغة العربيّة فهي تقول ما معناه: يا حيّ يا قيُّوم، والّذي هو باللغة العبرية آهيا شراهيا. كما أنّ الفراهيدي يؤكّد في كتابه أيضًا على كون المصطلح من اللغة العبريّة: "(هيا شراهيا) بالعبرانية: يا حيّ يا قيّوم" (كتاب العين للفراهيدي: ج 3، 401؛ أنظر أيضًا: تهذيب اللغة للأزهري: ج 2، 268). أمّا ابن المطهّر فيذكر عدّة أسماء عبرانيّة أخرى إضافة إلى هذا المصطلح: "وقول اليهود بالعبرانية: إيلوهيم، أدناي، أهيا شراهيا، ومعنى ايلوهيم الله." (البدء والتاريخ لابن المطهر: ج 1، 14؛ أنظر أيضًا: الحاوي الكبير للماوردي: ج 17، 236-237، حول مسألة تحليف وتغليظ أيمان أهل الذمّة).

غير أنّ الّذي وقف على كلّ التّصحيفات والتحريفات العربيّة للاسم الأعظم بالعبريّة، وأشار بدقّة إلى ماهيّة هذا التّعبير من ناحية اللّفظ والمعنى وأرجعه إلى أصله، فهو ابن منظور في لسان العرب. لقد فعل ابن منظور ذلك مستعينًا بأحد أحبار اليهود في عدن، حيث ذكر في اللّسان: "وبعضهم يقول آهيا شراهيا مثل عاهيا، وكل ذلك تصحيف وتحريف. وإنّما هو إهيا بكسر الهمزة وسكون الهاء وأشر بالتحريك وسكون الراء، وبعده إهيا مثل الأول. وهو اسمٌ من أسماء الله جل ذكره. ومعنى (إهيا أشر إهيا) الأزليّ الذي لم يزل. هكذا أقرأنيه حبر من أحبار اليهود بعدن... معناه: يا حيّ يا قيّوم بالعبرانية" (مادّة "شره"، لسان العرب: ج 13، 506؛ أنظر أيضًا: كتاب الكليات لأبي البقاء الكفومي: 360؛ سهم الألحاظ فى وهم الألفاظ لابن الحنبلي: 35).

من الواضح أنّ الإسلام
قد اقتبس أصلاً مفهوم "الاسم الأعظم" من أهل الكتاب بالذّات. لقد كنت أشرت سابقًا إلى أنّ اليهوديّة هي الّتي تُطلق على التعابير التوراتيّة "يهوه"، "إهيه" و"إهيه أشر إهيه"، التي تفيد معنى الـ"كَوْن" ماضيًا وحاضرًا ومستقبلاً، أي الحيّ القيّوم منذ الأزل وإلى الأبد، مصطلح الاسم الصّريح، والاسم الأقدس والأعظم للّه، ولذلك يُحظر النّطق به لقداسته، بل يلفظ "أدوناي" بدل ذلك. ومن هنا أيضًا، يمكننا القول إنّ اقتباس المفهوم عن اليهوديّة يؤدّي في نهاية المطاف إلى اقتباس المصطلح ذاته حرفيًّا.

لقد تحدّثت الرّوايات الإسلاميّة عن قصّة إحضار عرش بلقيس إلى سليمان، فذكرت أنّ آصف بن برخيا: "لمّا أراد أن يأتي بعرش بلقيس إلى سليمان دعا بقوله: ياحيّ يا قيُّوم." (تفسير القرطبي: ج 3، 271؛ أنظر أيضًا: بحر العلوم للسمرقندي: ج 1، 238؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 3، 243). وقد روي عن آصف هذا أنّه كان وزيرًا وكاتبًا ومؤدّبًا للملك سليمان في حال صغره، كما أنّه: "كان رجلا صديقًا يقرأ الكتب الإلهية ويعلم الاسم الأعظم الذي اذا دعي اللهُ به أجاب." (تفسير حقي: ج 10، 53؛ أنظر أيضًا: البداية والنهاية لابن كثير: ج 2، 28؛ الرّوض الأنف للسهيلي: ج 1، 17؛ التبصرة لابن الجوزي: ج 1، 274؛ تاريخ بغداد للخطيب البعدادي: ج 6، 106؛ البصائر والذخائر للتوحيدي: ج 1، 303). ومن الواضح أنّ المقصود بالكتب الإلهيّة هنا التّوراة، ولذلك فمن المؤكّد، إذن، أنّ دعاء آصف بالاسم الأعظم "الحيّ القيّوم" قد كان بلغة التّوراة، أي باللغة العبريّة، لغته هو. وها نحن نرى تأكيدًا على ذلك في هذه الرّواية بخصوص علم سليمان وآصف بالاسم الأعظم: "قيل كان ذلك العلم باسم الله تعالى الأعظم، الذي إذا سئل به أجاب... وهو يا حي يا قيوم، وقيل يا ذا الجلال والإكرام، وقيل الله الرحمن وقيل هو بالعبرانية: آهيا شراهيا." (تفسير الألوسي: ج 14، 480).

كما تذكر الروايات الإسلاميّة أيضًا أنّ عيسى بن مريم كان يدعو بذات الدّعاء: "ويقال إنّ عيسى بن مريم عس كان إذا أراد أن يُحيي الموتى يدعو بهذا الدعاء: ياحيّ يا قيُّوم." (تفسير القرطبي: ج 3، 271؛ أنظر أيضًا: بحر العلوم للسمرقندي: ج 1، 238؛ تفسير اللباب لابن عادل: ج 3، 243؛ تفسير حقي: ج 2، 49). فإذا كان عيسى بحسب الروايات الإسلاميّة قد دعا بالاسم الأعظم لإحياء الموتى فمن المؤكّد، على ما يوجبه المنطق، أنّه أيضًا كان قد دعا "إهيه أشر إهيه" بالعبريّة لغة أمّه، وليس بالعربيّة. وبالفعل، فها هي رواية شعبيّة أخرى تذكر أنّ النّبي إلياس يلفظ ذلك الاسم الأعظم بالعبريّة في دعائه: "عن داود بن يحيى مولى عون الطفاوي عن رجل كان مرابطًا في بيت المقدس وبعسقلان قال: بينا أنا أسير في وادي الأردن إذ أنا برجل في ناحية الوادي قائما يصلي، فإذا سحابة تظله من الشمس، فوقع في ظنّي أنه الياس النبي عليه السلام. فانتبه، فسلمت عليه، فانفتلَ من صلاته فرد علي السلام، فقلت له: من أنت رحمك الله؟ فلم يرد علي شيئًا، فأعدت القول مرتين، فقال: أنا الياس النبي، فأخذتني رعدةٌ شديدة خشيتُ على عقلي من أن يذهب، فقلت له: إنْ رأيتَ رحمَكَ اللهُ أن تدعو لي أنْ يُذهبَ اللهُ عنّي ما أجدُ حتّى أفهم حديثك. فدعا لي ثمان دعوات، قال: يا بر يا رحيم يا قيوم يا حنان يا منان يأهيا شراهيا، فذهبَ عنّي ما كنتُ أجدُ." (بغية الطلب في تاريخ حلب لابن العديم: ج 1، 39).

لقد أشارت الرّوايات الإسلاميّة،
ومنذ القدم، إلى عظمة هذا الاسم، وعظمة دعاء "الحيّ القيّوم" ومفعوله في تكفير الذّنوب، فقد روى أبو سعيد الخدري عن الرّسول: "قال رسول الله صلعم: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيّوم وأتوب إليه، كفّر الله ذنوبه وإن كانت مثل زبد البحر." (الأسماء والصّفات للبيهقي: ج 1، 229؛ أنظر أيضًا: جامع الأصول لابن الأثير: ج 1، 2299؛ شرح السنّة للبغوي: ج 2، 440؛ مجمع الزوائد للهيثمي: ج 10، 73). ولهذا السّبب أيضًا فقد روي عن آية الكرسي أنّها أعظم آية في القرآن، وعلى ما يبدو فإنّ سبب ذلك هو اشتمالها على الاسم الأعظم: "قال أبو ذر في حديثه الطويل: سألت رسول الله صلعم: أي آية أنزل اللّه عليك من القرآن أعظم؟ فقال: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}، وقال ابن عباس: أشرف آية في القرآن آية الكرسي... ويقال: إنه اسم اللّه تعالى الأعظم." (تفسير القرطبي: ج 3، 271؛ أنظر أيضًا: تفسير ابن كثير: ج 1، 676؛ تفسير النيسابوري: ج 2، 120؛ فتاوى الإسلام للشيخ محمد صالح المنجد: ج 1، 5305).

كما أنّ الرّوايات الإسلاميّة تؤكّد على أنّ الرّسول ذاته كان يدعو بدعاء موسى اللّه حين توجّه إلى فرعون: "عن الضحاك، قال: دعاء موسى عس حين توجّه إلى فرعون، ودعاء رسول الله صلعم يوم حنين، ودعاء لكل مكروب: كنت وتكون وأنت حي لا تموت... وأنت حيّ قيّوم، لا تأخذك سنة ولا نوم، يا حيّ يا قيّوم." (الأسماء والصّفات للبيهقي: ج 1، 232). ليس هذا فحسب، بل إنّ الرسول كان على علم بعظمة هذا الاسم "الحيّ القيّوم"، العبريّ المصدر، ولذلك فقد روي عن أبي هريرة: "أنّ النبي صلعم كان إذا أهَمَّهُ الأمرُ رفعَ رأسَه إلى السماء فقال: سبحان الله العظيم، وإذا اجتهدَ في الدعاء قال: يا حَيّ يا قَيُّوم." (سنن الترمذي: ج 5، 495؛ أنظر أيضًا: سنن النسائي: ج 4، 399؛ أنظر أيضًا: الدعاء للطبراني: ج 1، 97). كما نعثر على تعزيز لهذه النّظرة تجاه الاسم الأعظم فيما روي عن عليّ بن أبي طالب، الّذي قال: "لمّا كان يوم بدر قاتلتُ شيئًا من قتال، ثم جئتُ مسرعًا لأنظر ما فعل رسول الله صلعم. فجئت فإذا هو ساجد يقول: "يا حيّ يا قيّوم، يا حيّ يا قيوم"، لا يزيد عليهما. ثم رجعت إلى القتال، ثم جئت وهو ساجد يقول ذلك. ثم ذهبت إلى القتال ثم رجعت وهو يقول ذلك، ففتح الله عليه." (مجمع الزوائد للهيثمي: ج 11، 9؛ أنظر أيضًا: مسند أبي يعلى: ج 1، 251؛ المسند الجامع لأبي المعاطي النوري: ج 31، 210). وفي هذا الدّعاء، على ما ذكر المفسّرون، ما "يدلُّ على عظمة هذا الاسم." (تفسير اللباب لابن عادل: ج 3، 243). وهذه العظمة المنسوبة للاسم هي ذات العظمة المنسوبة للاسم العبراني التّوراتي "إهيه أشر إهيه" في العقيدة اليهوديّة. فهل كان الرّسول أيضًا يدعو اللّه، مثل موسى وعيسى، بـ"إهيه أشر إهيه"، الاسم الأعظم لله في اليهوديّة؟

غير أنّ الأمر لا يقتصر
على هذه الجوانب فحسب، بل يمكننا العثور على هذا الاسم الأعظم بالعبريّة "إهيه أشر إهيه" مرادفًا لـ"الحيّ القيّوم" في نصّ لعليّ بن أبي طالب. وهذا النصّ، كما يروى، هو حرز للمسحور والتّوابع والمصروع والسمّ والسّلطان والشّيطان وجميع ما يخافه الإنسان. فلنقرأ معًا، إذن، وبتمعّن هذا الحرز: "بسم الله الرحمن الرحيم أي كنوش أي كنوش ... إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين اخرج بقدرة اللّه منها أيها اللعين بعزة رب العالمين... اخرجْ منها مذمومًا مدحورًا ملعونًا... تبارك الله أحسن الخالقين يا هيا شراهيا حيًّا قيّومًا، بالاسم المكتوب على جبهة إسرافيل، أطرد عن صاحب هذا الكتاب كل جنّي وجنية وشيطان وشيطانه وتابع وتابعة وساحر وساحرة، وغول وغولة، وكل متعبث وعابث يعبث بابن آدم..." (بحار الأنوار للمجلسي: ج 19، 193؛ أنظر أيضًا: مكارم الأخلاق للطبرسي: 415). بالإضافة إلى ذلك، يمكننا العثور لدى التّوحيدي على تلميح آخر بشأن الرقية بـ(إهيه أشر إهيه)، اسم الله الأعظم بالعبريّة، فقد كتب التوحيدي: "أيها الشيخ وصلَ الله قولك بالصواب ... حتى تكلف ببث الجميل، وتشغف بنشر الأيادي، وحتى تجد طعم الثناء، وتطرب عليه طرب النشوان على بديع الغناء، لا طرب البرداني على غناء علوة جارية ابن علويه في درب السلق... ولا طرب ابن غيلان في البزاز على ترجيعات بلور جارية ابن اليزيدي... إذا غنت.... فإنه إذا سمع هذا منها انقلبت حماليقُ عينيه، وسقط مغشيًّا عليه، وهات الكافور وماء الورد، ومن يقرأ في أذنه آية الكرسي والمعوذتين، ويَرْقِي بهيا شراهيا." (الإمتاع والمؤانسة لابي حيان التوحيدي: ج 1، 123).

ولعلّ خير ما نختتم به هذه الدّراسة هو التمعّن في الرقية الطريفة التّالية، وهي رقية لطرد النّمل من المكان. فلنقرأ معًا: "وممّا جُرّب أيضًا فوجدناهُ نافعًا أنْ يُكتبَ على لوح ماعز ويُوضع على قرية النّمل، فإنّه يرحل، وهو: ق و ل ه ا ل ح ق ول ه ا ل م ل ك الله الله الله وما لنا أن لا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا، ولنصبرنّ على ما آذيتمونا ... أهيا أهيا شراهيا، أدونائي، آل، شدائي، ارحل أيها النمل من هذا المكان، بحقّ هذه الأسماء." (حياة الحيوان الكبرى للدميري: ج 2، 220). نلاحظ إذن، أنّ كلّ هذه الأسماء الواردة في هذه الرّقية هي تصحيفات وتحريفات لأسماء اللّه باللغة العبريّة.

لقد كنت بدأت هذه الدّراسة بالقول إنّه لا يمكن فهم الإسلام على حقيقته دون التّمكُّن من اللّغة العبريّة لغة التوراة. وهكذا، نكون قد وقفنا على كيفيّة انتقال مفهوم الاسم الأعظم، إضافة إلى المصطلح ذاته وبصورة حرفيّة، إلى التراث الإسلامي منذ القدم. فهل اتّضحت الصّورة الآن؟

وفائدة أخيرة:
على ما يبدو، واستنادًا إلى كلّ ما أسلفنا، يتّضح إنّه ولأجل أن يُستجاب الدّعاء أو لأجل أن تفعل الرّقى، على اختلاف أنواعها، مفعولها المنشود، فلا مناص من استخدام اسم اللّه الأعظم بلفظه الأصلي في اللّغة العبريّة. لذلك، ولكي نضع حدًّا لكلّ التحريفات والتصحيفات لأسماء اللّه العبريّة، كما ترد في النّصوص الإسلاميّة، فها أنذا أقدّم كلّ هذه الأسماء العبريّة وبصورة دقيقة، وذلك لكي يستفيد منها الدّاعون والشّيوخ الرّاقون وكتّاب الحروز على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم الإسلاميّة، لكي تعمّ المنفعة:
إيلوهيم - وبالحرف العبري: אלהים.
يهوه - وبالحرف العبري: יהוה.
إهْيِهْ أَشِرْ إهْيِهْ - وبالحرف العبري: אהיה אשר אהיה.
إيلْ - وبالحرف العبري: אל.
شَدّايْ- وبالحرف العبري: שדי.
أَدُونَايْ - وبالحرف العبري: אדוני.
صْبَاؤُوتْ - وبالحرف العبري: צבאות.

فمن يدري، لعلّ إيلوهيم، يهوه، إهيه أشر إهيه، إيل، شدّاي، أدوناي، صباؤوت، يقبل دعاء الدّاعين، ويُفرّج عن المغمومين، ويشفي المصروعين، ويبعد الغيلان والشّياطين العابثين بأهل الدّين، ويبعث الأزواج للمؤمنين والمؤمنات المحرومين والمحرومات ممّا هو سنّة الحياة. آمين، هَلّلُوا يَهْ! (وبالحرف العبري: אמן, הללו יה).

والعقل وليّ التوفيق!
***



***
المقالة الأولى: "يهوه" التوراتي في الإسلام
المقالة الثانية: كيف انتقل :يهوه" إلى الإسلام؟

مشاركات:



تعقيبات فيسبوك :

4 تعليقات:

  1. و العقل ولي التوفيق ..!!! طيب و الله اللي خلق العقل و هو اللي بيهديه و يقدر يمنع عنه الهدايه و اللي انت عامل بحث علشان تدعوه .. مش اولي بك انك تستخدم انت عقلك و تقول ...والله ولي التوفيق ...عسي الله يديك و يوفق عقلك و ما تفتكرش انك باعتمادك علي عقلك بس هتوفق ...

    ردحذف
  2. شكرا على جهودك المبذولة ولكن يبقى ما بين السطور في سبب جهدك اكبر واشد

    ردحذف
  3. انتبهوا ترى اللي نشر هاذي المقالة او اي كان ليس بمسلم فهو في اخرها كتب و (العقل ولي التوفيق)

    ردحذف
  4. الله يتمم عليك عقلك

    ردحذف

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق

blogger statistics