لا نبيّ في وطنه


وبخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه...

سلمان مصالحة

لا نبيّ في وطنه


(مرثية صفورية لـ طه محمد علي)

لنستهلّ هذه المقالة بقراءة هذه السطور من قصيدة "ليت لي مثل قدرتك على التّحكّم بالبكاء": "أنا يا طفل تلقائيّةِ/ البُكاء -/ بكائي يسكنني/ يدهمني في ليلي/ وعَلَيّ يُطبق في النّهار/ يطرقني في حلمي/ وأعجز عن التّخلّص منه/ بعد أن أستيقظ". بهذه الكلمات يكشف طه محمّد علي خبايا نفسه أمام القارئ. قصائد طه محمّد علي المنشورة والموزّعة على عدّة مجموعات هي بمثابة مرثية واحدة طويلة يبثّ فيها أحزانه على فراق صفّوريّة في عام النّكبة، إذ أنّ طه محمّد علي وحيثما وَلّى وجهه، أليلاً كان ذلك أم نهارًا، فثَمّ وجهُ صفّورية يتراءى له في حلمه وفي يقظته. وبتدوينه لمشاهداته تلك في نصوصه المكتوبة، أو تلك المسموعة، فهو يُشركنا في خيوط حكايته مع صفوريّة، وفي حكاية صفّورية معه. إنّه دائم السّفر إلى ذلك المكان، إلى ذلك المنزل الأوّل، الّذي يدوم حنينه إليه: "فبودّي: / أن يُقيّض لي / أن ألمحَ مرّة كلّ شهر / أو كلّ شهرين / تلك الّتي حُرمتُ من رؤيتها / مُذ فارقتها / في صدر عمري." (من قصيدة: شاي ونوم). ولأنّ عهدي بطه محمّد علي عاشقًا للقصص وراويًا نَهِمًا لها، فما بالنا لا نقوم يتوسيع رقعة هذه الحكاية قليلاً، فقد ينشرح لها صدره؟

وقبل الولوج في الكلام عن نصوص طه محمد علي وصفورية، لنبدأ بإيراد حديث نبوي أو رواية إسلامية تتطرّق إلى حدث جرى في صدر الإسلام:
"عن عروة بن الزبير قال قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أخبرني بأشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. قال: بينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُصلّي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولوى ثوبه في عنقه فخنقه به خنقًا شديدًا. فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله ..."، رواه البخاري. وفي رواية أخرى، أنّ عقبة بن معيط هذا قد ألقى سَلا [أي كرش وأمعاء] جزور على الرّسول بينما كان راكعًا يصلّي، حتّى جاءت فاطمة ونزعت سلا الجزور عنه". وفى الصحيحين: أنّه [أي الرسول] كان يصلي، وَسَلا جَزورٍ قريبٌ منه، فأخذه عقبة بن أبي معيط، فألقاه على ظهره، فلم يزل ساجداً حتى جاءت فاطمة فألقته عن ظهره".

سنعود إلى قصّة عقبة بن أبي معيط هذا لاحقًا.

السّمة الشّعريّة الطّاغية في قصائد طه محمّد علي تكمن في بساطة نصوصه. إنّها شعريّة تنقصها التّقنيّات الشّعريّة، لأنّها لا تبحث عن التّقنيّات، أو هي لا تعرف التّعامُل مع هذه التّقنيّات. إنّها شعريّة تنعدم الأوزان والقوافي، لأنّها شاءت أن تكون موزونة بأوزان أخرى، ومسبوكة من فسيفساء من التّشبيهات الّتي تنضح بحالة الفقدان الشّخصيّة الّتي تخيّم على صاحبها وعليها. إنّها قصائد ترثي وتنوح بهمس، بينما السّخريّة والدّفء الإنساني يعيشان فيها جنبًا إلى جنب. ووراء هذه السّخرية وروح الدّعابة، يختبئ الألم الكبير الّذي يعيش داخل الشّاعر فلا يفارقه منذ أن فارق هو صفورية. ولأنّ حاضر ومستقبل صفورية قد سُلبا من طه محمّد علي، فهو يعتاش طوال هذه السّنين على الذّكريات، يعتاش على الماضي، ماضيه، ماضي صفورية. إنّ آلامه على فقدان صفورية، مُذ فارقها في صدر عمره، تفضي به إلى المرارة. والمرارة هذه ليست مستترة أو خافية، إنّما هي مُصَرَّح بها على الملأ: "الماضي يغفو بجانبي / كما يغفو الرّنين / بجانب جدّه الجرس / والمرارة تتبعني / كما تتبع الصيصان / أمّها الدّجاجة"، كما يقول في قصيدة ناقوس (من قصيدة: ضحك على ذقون القتلة).

إنّ شعريّة طه محمّد علي هي شعريّة حكائيّة، أي شعريّة حكواتي شعبي أكثر منها شعريّة شاعر متمرّس يفقه فنون وصناعة الشّعر. لهذا السّبب، فعندما يظهر طه محمّد علي في أمسيات يقرأ فيها من نصوصه، فهو ينهج في أحايين كثيرة على تتبيل قراءته برواية حكايات شعبيّة تشكّل خلفيّة لقراءة النصوص المكتوبة، وهو يفعل ذلك من أجل رفد نصوصه بدعائم أخرى تقع خارج هذه النّصوص. ولأنّ طبيعة شعريّته هي طبيعة شعريّة شعبيّة، فهو يميل بين الفينة والأخرى، في نصوصه المكتوبة، إلى استخدام اللغة العربية الدّارجة والمحكيّة، وهي اللغة الأقرب إلى طبيعة الكلام الدّارج المحكيّ، الأقرب إلى طبيعة الحكاية.

لقد دخل طه محمّد علي فناء الشعر الفلسطيني بالذّات، والعربي على العموم، في سنّ متأخّرة. ولأنّ الشّعر الفلسطيني، ولظروف الصّراع القومي، كان مصابًا لسنوات طويلة بوبأ شعريّة العواطف وبالمقولات الوطنيّة الجمعيّة، لم يجهد أحدٌ من دهاقنة الشّعر الفلسطيني إلى التّنبيه إلى هذه المرثية الشّعبية الأصيلة لطه محمّد علي. إنّ حكاية طه محمد علي، كما تتراءى لنا من خلال نصوصه، هي حكاية مكان تحت الشّمس. إن شئتم سَمّوا هذا المكان اسم صفورية، وإن شئتم، أطلقوا عليه اسم فلسطين.

وفيما يخصّ المكان، هنالك صورتان لفلسطين تتشكّلان أمام ناظرينا في الأدب الفلسطيني.
الفلسطيني الّذي جلا، أو أُجلي من بلده ووطنه قد بنى على مرّ السنين في ذهنه صورة للوطن هي أقرب إلى صورة فردوس مفقود. إذ بعيدًا عن الوطن الممكن المستحيل تتبدّى البلاد جنّات خضراء على مدّ النّظر، كما شاع في الشعر الفلسطيني. يذكر مريد البرغوثي: "كنت أقول لزملائي وزميلاتي المصريين في الجامعة إنّ فلسطين خضراء مغطّاة بالأشجار والأعشاب والزهور البريّة...". وعلى أثر اتّفاقات أوسلو، وصل مريد البرغوثي في زيارة إلى رام الله وإلى قريته ومسقط رأسه. لقد دوّن انطباعاته في كتاب أصدره بعنوان "رأيت رام الله"، يُجري فيه حساب نفس مع ذاته. يكتب كريد البرغوثي: " ما هذه التلال؟ جيرية كالحة وجرداء! هل كنت أكذب على النّاس آنذاك؟... قلت لنفسي عندما يأتي تميم إلى هنا سيظنّ أنّني وصفت له بلادًا أخرى.... "، ويضيف مريد البرغوثي: "كيف غنيت لبلادي وأنا لا أعرفها؟ ... هل كنت أكذب قليلاً؟ كثيرًا؟ على نفسي؟ على الآخرين... أيّ حب ونحن لا نعرف المحبوب؟".

وبخلاف الفلسطيني اللاجئ الّذي يكتشف إنّه قد رسم صورة خيالية لوطن لا يعرفه، فإنّ الفلسطيني الباقي يكتشف على مرّ السنين أنّ البلاد هي الّتي لا تعرفه، هي التي تتنكّر إليه: البلاد تتغيّر، كلّ شيء يتغيّر فيها، طير السّماء، الأرض والشّجر والينابيع، هي التي تصدّ من يدعوها صارخة في وجهه: "من أنت؟"، كما يقول سميح القاسم في قصيدة له بعنوان "وطن". وربّما لهذا السبب أطلق سميح القاسم على ابنه البكر اسم "وطن" لكي يكنّيه الناس "أبو وطن"، كما درجت عليه تقاليد النّاس في هذا المكان.


ولأنّ صفّورية قد تبدّلت أحوالها وتقادم عهدها، وتحوّلت إلى "تسيپوري"، كما هي حال البلاد بأسرها، يجلس طه محمّد علي في النّاصرة، غير بعيد عنها، يمدّ إليها يده فلا يستطيع الإمساك بها. إنّه يسمّي النّاصرة "وطنًا ثانيًا"، بينما صفّوريّة، وهي "أوّل منزل"، هي الوطن الحقيقي في نظره، أو هي "الحنين الأبدي إلى المجهول"، كما يصرّح في إحدى المقابلات.

في نظر الشّاعر الّذي بقي في الوطن، غير بعيد عن مسقط رأسه، تحوّلت معالم البلاد. بل أضحت الأرض بمثابة مومس- أي زانية-، خائنة، تمنح جسدها لكلّ وافد: "آثارنا دارسة/ رسومنا جُرفت /وما من معلم واحد يوحي بشيء/ ... /لقد تقادم العهدُ/ وتمادت الأيّام/.../ الأرض خائنة/ الأرض لا تحفظ الودّ/ والأرض لا تُؤتمن/ الأرض مومس/ أخذت بيدها السّنين/ .../ تضحك بكلّ اللّغات/ وتُلقم خصرها لكلّ وافد/ الأرض تتنكّر لنا/ تخوننا وتخدعنا" (من قصيدة: عنبر).

وما دام هذا الحديث عن صفّورية وعن الأرض، قد أفضى بنا إلى الحديث عن وسمها بهذه النّعوت، واستعارة مهنة الزّانية لها، فلنعد أدراجنا إذن إلى تَعقُّب خطى عقبة بن أبي معيط:

يروي أهل الأخبار العرب القدماء أنّ عقبة هذا الّذي اشتهر بعدائه للرّسول وللمسلمين، قد تمّ أسره في إحدى المعارك. وعندما أمر الرّسول بإعدامه، تضرّع إليه عقبة قائلاً: وماذا يكون مع الأولاد من بعدي؟ فأجابه الرّسول: النّار. ولما أمر النبي ص بقتل عقبة بن أبي معيط قال: أَأُقتلُ من بين قريش؟ فقال له النبي ص: وهل أنت إلا يهودي من يهود صفورية؟ (البكري، معجم ما استعجم، مدخل "صفّورية"). لقد أُعدم عقبة في نهاية المطاف. قال ابن هشام: ويقال قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم. (عن: الروض الأنف). ويُقال إنّه أُعدمَ صَلْبًا ويروى أنّه كان أوّل مصلوب في الإسلام. كما أنّ عقبه هذا قد حظي بإشارة له في إحدى الآيات القرآنية.

يهودي، ومن صفّورية. أحقًّا؟

تحكي لنا الرّواية العربيّة أنّه إبّان الفترة الجاهلية، قد مكث في صفّورية هذه أُمَيّة بن عبد شمس لما يقارب عشر سنين. وأُمَيّة هذا هو الجدّ الأكبر للأمويّين. لقد ذهب أميّة هذا، أثناء مكوثه في صفّورية، إلى أَمَة وزنى معها. ويُقال إنّ هذه الأَمَة هي يهوديّة. وكان أن ولدت له الأمة اليهوديّة ولدًا ذكرًا هو ذكوان، وكنيته أبو عمرو. لقد خرج ذكوانُ برفقة والده أُميّة بن عبد شمس حين هاجر أميّة من صفّورية إلى جزيرة العرب. وذكوان بن أميّة هو جدّ عقبة بن أبي معيط "أوّل مصلوب في الإسلام"، كما ذكرنا آنفًا. أمّا ابن عقبة، وهو الوليد بن عقبة، فقد عيّنه لاحقًا الخليفة عثمان بن عفّان واليًا على الكوفة، حيث كان يؤم بالنّاس سكّيرًا ثملاً.

يحاول طه محمّد علي في قصائده أن يستعيد بعض الرّموز والإيحاءات من الماضي القريب حينًا ومن الماضي البعيد في أحايين أخرى. يمكننا أن نقول، إنّ الإحساس بالإحباط والاكتئاب الّذي يقضّ مضاجع طه محمّد علي ليل نهار، منذ النّكبة والنّزوح من صفّورية يُفضي به إلى العيش في ماضيه، ماضي صفّورية، ومن ثمّ يدفعه هذا الإحباط إلى الاستنجاد برموز من الماضي البعيد. هذا التّوجُّه نقرؤه في قصيدة أخرى له: "صفّورية!/ ماذا تفعلين هنا/ في هذا الليل المجوسي/ العاكف على ذاته/ عكوف القلب على البغضاء / ... / فأين جواد شرحبيل؟ / ماذا صنعت بسيف صلاح الدّين؟ / وأين وفود الظاهر ؟ / أين الجميع؟" (من قصيدة ناقوس، مرور الأربعين على خراب قرية، ضحك على ذقون القتلة)، يتساءل طه باثًّا على مسامع القرّاء شعوره المحبط، كمن يبحث عن عون يأتيه من ذلك الماضي الّذي تقادم عهده.

إنّ هذا التّوجّه إلى الماضي بحثًا عن خلاص، قد يكون منوطًا بخطر آخر لم ينتبه إليه الشّاعر بعدُ. فإذا ما أصرّ الشّاعر على الاستنجاد بهذا الماضي، باحثًا عن جذوره الضّاربة عميقًا في صفوريّة، فقد يكتشف أنّه خلفٌ لسَلَفٍ لم يرغب في التّعرّف عليه، أي أنّه ربّما قد يُفاجأ بكونه خلفًا لـ "أوّل مصلوب في الإسلام"، أو قد يكتشف أنّه خلف ليهوديّ آخر قد ضاعت أعقابه في هذا الفضاء العربي في أزمنة قديمة.

***

للمقالة بالعبرية، اضغط هنا.
________________________

مشاركات:



تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق

blogger statistics