برايتن برايتنباخ: "الحياة في مكان آخر"



برايتن برايتنباخ


"الحياة في مكان آخر"


ترجمة وتقديم: سلمان مصالحة



"الكتابة هي نوع من الانتحار"، كما يقول الشاعر برايتن برايتنباخ (Breyten Breytenbach). لقد عرف هذا الأمر "على جلده"، كما نقول، من خلال ما جرى له مع نظام التفرقة العنصرية الذي كان قائمًا في جنوب أفريقيا طوال عقود من الزّمن. المجموعات الشعرية الأولى التي نشرها برايتنباخ كُتبت بلغة أمّه، الأفريقانيّة، أي لغة المستوطنين البيض في القرن الأفريقي. في أعقاب نشرها، حظيت مجموعاته هذه بإعجاب النقاد الذين أطلقوا عليه لقب "دانتي أفريقي".
لقد قاوم برايتنباخ، وهو ينتمي إلى الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، بعناد نظام الفصل العنصري في بلده، ونفي من جنوب أفريقيا إلى فرنسا بعد أن تزوّج من امرأة ڤيتنامية الأمر الذي كان يُعدّ خرقًا للقوانين العنصريّة، الأمر الذي أثار حفيظة العنصريّين. وبعد أن عاد إلى جنوب أفريقيا تمّ اعتقاله واتّهامه بالانتماء إلى مجموعات إرهابية تعمل ضدّ الأپارتهايد، حيث أمضى ثمانية أعوام في سجون الأپارتهايد، إلى أن تمّ إطلاق سراحه بهد تدخّل من الرئيس الفرنسي الرّاحل فرانسوا ميتران.يُعدّ برايتنباخ من أهمّ الشعراء الذين يكتبون باللغة الأفريقانية. وهو، إلى جانب كتابته بها، يكتب أيضًا بالإنكليزية إضافة إلى هواية الرّسم. كما يكتب المقالة. وهو نشيبط في جامعات جنوب أفريقيا وخارجها، حيث يعمل في عدّة جامعات ويُدرّس فنّ الشّعر. ولأنّه شاعر أفّاق، ويجوب الآفاق، يُلاحَظ تَكرُّر مفردات الذّاكرة لديه. تلك هي الطاكرة التي تُعيده إلى تلك الآفاق ومشاهد القرن الأفريقي، إضافة إلى المشاهد التي تنطبع لديه من خلال تنقّلاته.تجدر الملاحظة أيضًا، أنّه ورغم مرارة التجربة التي مرّ بها طوال سنوات التفرقة العنصرية في جنوب أفريقيا، إلاّ أنّ القارئ يشتمّ من كلماته ذلك الحنين إلى الصور والمشاهد في وطنه الأمّ. لكن، ليست الصور والمشاهد هي الأساس لديه، إنّما ذلك الإنسان الأفريقي الذي عانى، فتماثل مع برايتنباخ إلى أقصى الحدود حتّى ذاق الأمرّين من الظام العنصري. والمتتبّع لشعره ولكتاباته الأخرى يستطيع الوقوف على تلك المراحل من حياته الغنية بالألم والأمل في آن معًا. فمن الحلم في سجن الجدران البيضاء حين يتوقّف الزّمن عن الدّوران فيتحوّل إلى البحث عنه، من خلال تعداد للدوائر والحلقات في الجذوع الخشبيّة، إلى حلم من نوع آخر وأمل آخر متمثّل في النّور الأوّل، حيث تختفي حدود الزّمن بين الطّفل والعجوز فيتحوّلان إلى ماهيّة واحدة. فالطفل القابع في العجوز يتذكّر نسيان العالم المعروف، وتتحوّل لعبة التّذكّر والنسيان إلى حال وجوديّة بعيدة عن الزّمن الفيزيائي، عالمها هاجس آخر. وهكذا أيضًا تعيد الشيخوخة ذكريات الطفل القابع في العجوز. بهذه الصورة تتلاشى الفروق الزمنية وتختفي من الوجود ليصبح كلّ ما في الأمر فكرة واحدة وتجربة واحدة لايستطيع الزمن الذي تعمل فيه على إفنائها. وهكذا أيضًا يتحوّل الصراع على اللغة إلى صراع على الحياة وصراع على قوانين الحياة التي لا يمكن لأي قوانين وقواعد أخرى أن تغيّر منها شيئًا، حتّى وإن أفلحت ولفترة ما من الزمن في تحويل مسارها إلى ما هو ليس الأصل. وهكذا فالحرية هي القانون الأساس، وما سوى ذلك من أنظمة مضطّهدة للإنسان فمصيرها إلى زوال. وهذا ما حصل فعلاً في جنوب أفريقيا بعد عقود طويلة من المعاناة حين جاء ذلك التحرير الشخصي والقومي للإنسان الأفريقي.الرؤيا الشعرية التي، وإن كانت غنية بالتجارب الذاتية والمشاهد المحدّدة في زمان ما ومكان ما، إلاّ أنّها ورغم القيود الأخرى التي تبقيها الترجمة لكلّ شعر من لغة لأخرى، غير أنّ الروح الإنسانية المفعمة بالأمل تخترق جميع تلك القيود، فتبقي كلمات برايتنباخ نافعة لكلّ زمان ومكان. وهكذا نضعها في هذه الترجمة العربية الأولى أمام القارئ.


مع إدواردو سنغوينيتي وبرايتن برايتنباخ - روتردام 1996



***

الحلم

حلمتُ:
أنّي في سجن جدران بيضاء
حيث لا يعرفني أحدٌ، وأصواتٌ
تختفي في الرّدهات، وأضواء تستنشقُ
جمجمتي اللّاهثة.
رأيتُني:
أنحني للخراء في دلو ذباب
يأتي في ليالي الصّيف.
تتأوّه الأضواء لهيبًا أبيضَ.
رأيتُ اسمي:
ينزل في قوائم الأسماء مع لا أحد.
أنْ تقرأ أنْ تتذكّر
أكثر فأكثر بضبتبيّة عبر حلقات الخشب
المُستديرة في بياض السّجن.

استيقظتُ:
وعينُ يهوذا الاسخريوطي ترمقني
بغرابةٍ أولى.

***

الصّراع على اللّغة

"نقيّ كما ضمير البندقيّة" (ميروسلاڤ هولوب)

نحنُ شيوخٌ طاعنون
لُغتُنا جُنديُّ شَيّبٍ ابنُ مائة عامٍ وأكثر
بأصابع تضرب على الزّناد -
وَمَنْ سيقدرُ على الغناء كما غَنَّيْنا
عندما لم نعد هناك؟
حينما كُنّا على قيد الحياة، نحتقر التّراب
ومعجزات اللّحم النّامي
الدّافق المُنساب كالكلمات -
أنتم الذين ستكونون جُثَثَ أفكارنا
وتعيشون لذكرى موتنا
وتُصدرون الأنغام من نايات عظامنا...

مِنْ مبنى ضميرنا
من مخازن صدقاتنا
عندنا مبانٍ سوداء لكم، أيّها الأنذال -
مدارس، عيادات، مكاتب بريد، شرطة -
والآن تُخيّم غمامات الدّخان
تدقّ وتنساب كما القلب.

لكنّكم لم تفهموا بالضّبط
عليكم أن تملكوا اللّغة.
سنجبركم على تكرار ألف، باء، تاء، ثاء وراءَنا.
سنعلّمكم التّراث
تُراث وعينا القومي وحزمه...
ستتعلمّون الإذعان.
الإذعان وطأطأة الرّأس...
وستتعلّمون استخدام اللّغة.
ستتعلّمونها صاغرين.
لأنّ لنا أفواهًا ذابلة
مُسمّمة من دقّات القلب وانسيابه.

أنتم ملح الأرض -
كيف سَنُتَبِّلُ موتنا
ما دمتم لستم هناك؟
أنتم ستُحوّلون الأرض مُرَّةً كالعلقم، قاتمةً، عَكِرَةً، تشعّ
مع همسات شفاهنا...

لأنّنا نحن صلبنا المسيح
نحن على الجدران حول المعسكرات
بندقيّة في يد
ورشّاش في الأخرى:
نحنُ مُبشّرو الحضارة.

نحنُ نجلب لكم "قواعدَ" العنف
و"نَحْوَ" الهَدّم -
من ميراث سلاحنا "الحيّ"
ستستمعون إلى "أفعال" ردود الفعل
حينئذ تزدهر الحياة.

كما الزّرزور الطّائر
من الأسى إلى الغابات.
يُعرّي كلّ بساتين
الذّاكرة، ويُغنّي.

***

نور قديم

مقرّ رسمي في "بلاد الغربة"
إبيضَّ فيه أبناءُ بلادي
ثقال الألسن، ياقات زهريّة
آلام بلاد أخرى في القدمين
وعلى الحائط لوحة:
منظر من مكان ما في الرأس الشّرقيّ
بعد الغروب، تيّار من الذّهب
مجرور كما بالفرشاة وراء التّلال الفارغة
يطمحُ بالتّلاشي. عربات
مسافرين منتصبي الصّدور،
معتمري جلال وثنيّ للكَوْن.
السّوط بيد العربجي
كما شقّ أسود
إفتح قوسًا، حنين وخوف، سكّر القوس
تحت سنابك الخيول المتتلمذة رفيف حمام الغمار
كما نور آخذ بالتّلاشي
ولا بدّ من الوقوع،
للشّمال، لليمين اللاّنهائي
يا رفيقي، كم وحيدٍ عالَمُنا

***

الحياة في مكان آخر

لماذ القلب دائم الحركة
يُفكّر بأجنحته الحالكة،
من أين تأتي الرّيحُ في السّماء الصّافية
والأشجار الصّامتة تنحني خاشعة؟
وذلك النّحيب المخنوق
كالعصفور يغرّد في الجذور
وكلّ تلك البيوت الضّريرة
هناك، يكمّ الموتى أفواههم
على بخار الشّبابيك.
مَنْ يُعير بالاً للون معطف حارس اللّيل؟
وكم من الوقت تبقّى في مهبّ الرّيح، تلك الرّيشات في الباحة الدّاخليّة؟
ما الغاية من تَطكُّر التّفسّخ
مرّة ثانية
وراء الشّمس في عيون امرأة السّحر
امرأ الشّمس تحت فرع ثقيل الحركة؟
كم هم الموتى الرّاقدون فاغري الأفواه على الجبل؟
هل هناك ما تيقى للمعرفة؟
جفّت الدّماء والرّمادُ في الموقد
نُسي في التّراب البارد.
أَمِنَ الغابة المشتعلة أم من نجوم زرقاء الجليد
تحزم الرّيح أجنحتها الحالكة
لكن، كيف ذا ما يزال القلبُ يُغنّي؟

***

ثلج في پاريس

من أعماق الظّلمة
بانقضاء كلّ هذه الفصول
الثلج يكسو پاريس من جديد
بأكفان نور الصّباح
تحت ألحفة الرّماد.

السّماء تجثو مُبلّلة
الألوان جميعها عَلَتْها الطّحالب
لغة أجنبيّة
ذكريات اللاّ صوت
في حفريّات خطوط تلاشت في أكوام الورق.

المداخنُو يتعالى منها الدّخان
عصفور يرسم لك خطّ اليد
للطّيران في وجوم البياض
لسطور القصيدة اليانعة من الشّرق
إذّاكَ، تمحوه الأكمان عن آخره.

هل نُشعل النّار في الموقد؟
نحلم بينما عيوننا مغروزة ياللّب
حدبات وشقوق
لكلمات انْتَسَتْ منذ زمن
والآن نتفرقعُ حرفًا حرفًا في الشّظايا؟

ونتسامى في البخار
لنتصفّح من هنا فصاعدًا
على مناظر السّطوح البيضاء
هل سنتذكّر بيوت الموت
عندئذ، ورغم كلّ ذلك نستنشق الحبّ من جديد.

***

ذاكرة واحد

أتذكّر:
لتلك اللّحظة الّتي لا تُقاس
يداي تَكَوَّبَتْ حولَ الشّمس
قفصًا
ورأيتُ
منتفضًا أسرعَ من كلّ لون أو
كلّ خطوط هيكليّة
وارتشفتُ
حتّى سكنَ لساني ألمًا.

***

تحرير

ها أنذا في هذا اليوم الأوّل أشعّ وأزهر
بين جوقات الملائكة: هناك في البعيد ذوو الرّيش يرتّلون المزامير

محيّاي يبعثُ رائحة الجمال، ويداي محنّطتان
ألمْ أختزن بقايا الزّيت منذ سنين
مع هذا اللّقاء بالضّبط، المنعكس في مخيّلتي؟
ساكنًا تمامًا ساستلقي مُوقفًا فرحي
لكي لا أرعد هذه الأرض في هذه الدّورة الأخيرة
أرقصي، أثيري الغبارَ حبيبتي - لماذا عيناك رماديّتان
ليقصف الأصدقاء فروع الغار
وليحيكوا أكاليل الانتصار، ليحيكوها كلّها:
ولا يدخُلْ أسى قلبَ أحد، كي يهدأ إرانُ الموت
لأنّني كلّي لك الآن، نظيفًا من أيّ عار
حيث في سهولة الرهيح، ها هي الدّلافين
تدور مع سعف النّخيل.

لكِ تمامًا، ها أنذا طليقٌ في جنائن اللّيل.


***

نشرت في فصليّة "مشارف"، عدد 15، 1997
_____

Breyten Breytenbach, "Living in Other Place", selected poems, translated into Arabic by Salman Masalha, Masharef, No. 15, 1997


***

مشاركات:



تعقيبات فيسبوك :

0 تعليقات:

إرسال تعليق

جهة الفيسبوك

 

قراء هنا الآن


أطلق الموقع في أكتوبر 2008



عدد زيارات منذ الإطلاق

blogger statistics